عمار علي حسن يكتب: الترامبية وعالمنا المعاصر (1)

كاتب صحفي

لا يزال العالم يعانى من خطوة غير مسبوقة تمثّلت فى فرض الرئيس الأمريكى تعريفة جمركية واسعة النطاق على جميع شركاء الولايات المتحدة التجاريين تقريباً، تراوحت بين 10% لبعض الدول (وهو الحد الأدنى)، و60% لأخرى (وهو الحد الأقصى)، أهمها ضريبة على الواردات من الصين، وصلت إلى 34%، ومن الاتحاد الأوروبى بلغت 20%.
وقد انهمك كثيرون فى تحليل الآثار الاقتصادية لهذا القرار، والتى تتدرج تحت ارتفاع التضخم، ومن ثم زيادة الأسعار فى معظم دول العالم، إلى الدفع نحو تفكيك جزء لا يُستهان به من هيكل الاقتصاد العالمى، وفتح الباب أمام حروب تجارية واسعة النطاق، ولكن للقرار آثاراً سياسية وثقافية أيضاً.
وإذا أردنا أن نفهم التبعات السياسية والثقافية للقرار هذا علينا أن نعود إلى الوراء قليلاً، وتحديداً فى السنوات التى أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتى، فوقتها تصرّفت الولايات المتحدة فى السياسة الدولية مثلما يتصرّف «ترامب» فى الاقتصاد، فرفعت شعار «نحن أمريكا»، واندفع خبراؤها يتحدّثون عن الانفراد بقمة العالم، والانتصار الحاسم للرأسمالية فى شقّها الاقتصادى، والليبرالية فى شقّها السياسى، وهو ما حاول أن يُسوقه فرنسيس فوكوياما فى كتابه «نهاية التاريخ وخاتم البشر».
ولم يكتفِ الأمريكان بهذا، بل سعوا لصناعة عدو متوهم أو متخيل، فاستحضر ريتشارد نيكسون فى كتابه «الفرصة السانحة» الإسلام عدواً، ووسع صمويل هنتنجتون فى كتابه «صدام الحضارات»، الذى لم يبتعد عن توجّهات جهاز المخابرات الأمريكية «سى آى إيه» مفهوم العدو، ليجعل الحضارة الغربية فى مواجهة حتمية مع الحضارات الأخرى خصوصاً الإسلامية والكنفوشيوسية.
لم يمر عقد واحد على هذه النزعة الجامحة، حتى وجدنا بعض عقلاء بيوت الفكر وخبراء السياسة الأمريكيين يتحدّثون عن «حدود القوة» بعد أن أدركت الولايات المتحدة أن قدراتها العسكرية الضخمة، حيث تنفق بمفردها عشرة أضعاف ما تنفقه أوروبا كلها على التسلح، لا تعنى بالضرورة أنها قادرة على تحقيق ما تريد، وفرضه عنوة على من تشاء، فى أى وقت، وأى مكان.
ففى الصومال، وبعد عملية أطلقت عليها واشنطن «التدخّل الحميد» عجز الجيش الأمريكى عن تثبيت وجوده على أرض دولة ضعيفة مفكّكة، بل وفاشلة وفق المقاييس الدولية وقتها. وفى أفغانستان التى هاجمتها أمريكا فى أكتوبر 2001 ظهرت مقاومة فعلت بالأمريكان ما سبق أن فعلته بالسوفيت. وفى العراق الذى أسقط الجيش الأمريكى عاصمته فى 9 أبريل 2003، ظهرت مقاومة لم يستطع الأمريكان معها صبراً، ولم تمنع العقوبات الاقتصادية إيران من مواصلة برنامجها للتسلح، ووضع بوتين روسيا على ميزان القوى الدولى بعد غياب، وتقدّمت الصين فى ركائز القوة، حتى صارت المنافس الأساسى للأمريكان.
وعلى مدار عشرين سنة لم يكن الاقتناع بـ«حدود القوة» هو وحده الذى ينمو ويجذب أنصاراً له فى ربوع الولايات المتحدة، إنما أيضاً انشغال بالإجابة عن سؤال جوهرى طرحه بعض علماء السياسة والمثقفين الأمريكيين، وهو: «لماذا يكرهوننا؟»، أى «لماذا يكرهنا العالم؟»، إذ لاحظ هؤلاء أن الناس فى مشارق الأرض ومغاربها لم يعودوا منشغلين بالنظر إلى الولايات المتحدة بوصفها «زعيمة العالم الحر» كما كان سائداً أيام الحرب الباردة (1947 - 1991)، وإنما بكونها، ومن حيث الواقع، محض «إمبراطورية استعمارية» أخرى، لا تختلف عن سابقاتها، حتى أخذت بعض الكتابات تقارن بينها وبين الإمبراطورية الرومانية.
وتعمّق هذا الفهم بعد أن ظهر، للقاصى والدانى، أن ملف حقوق الإنسان نفسه ليس سوى إحدى أدوات السياسة الخارجية الأمريكية، فتستخدمه ضد أنظمة حكم لا تتوافق مع المصالح الأمريكية عبر العالم، أو تناهضها، فتضغط عليها وتبتزها، وتغضّ الطرف عنه مع حكومات تصنّفها على أنها حليفة أو صديقة، أو على الأقل يمكن أن تقدّم منفعة للسياسة الأمريكية فى المستقبل المنظور.
اليوم يواصل «ترامب» بقرار «التعريفة الجمركية» جلب هذه الكراهية لبلاده، بعد أن بدأ، خلال ولايته الأولى، فى الإجهاز على صورة الولايات المتحدة، باعتبارها «أرض الأحلام» بالنسبة لكثيرين حول العالم، وها هو يعمّق هذا المنحى بإصراره على طرد مهاجرين، وفرض قيود على آخرين، بمن فيهم طلاب علم، كانت واشنطن تعتبرهم فى الماضى إحدى أدوات نقل «الثقافة الأمريكية» إلى أرجاء المعمورة، والتى بدورها تترجم إلى منافع اقتصادية وسياسية.