الأغاني تواصل المقاومة بكلمات نارية: «القدس دي أرضنا» و«أصبح عندي الآن بندقية»
الأغاني تواصل المقاومة بكلمات نارية: «القدس دي أرضنا» و«أصبح عندي الآن بندقية»
منذ نكسة عام 1967 وحتى يومنا هذا، لم يتوقف الفنانون العرب عن التعبير عن تضامنهم مع القضية الفلسطينية، مستخدمين الأغنية وسيلةً لدعم صمود الشعب الفلسطينى ومناهضة الاحتلال. وقد لعبت هذه الأغانى دوراً مهماً فى تحفيز الوجدان العربى وتعزيز روح التحدى، وكانت فى الوقت ذاته رسائل قوية أقلقت الجانب الإسرائيلى، كما حدث مع أغنية شعبان عبدالرحيم الشهيرة «أنا بكره إسرائيل»، التى أثارت جدلاً واسعاً.
أما كوكب الشرق أم كلثوم، فقد غنّت عام 1969 «أصبح عندى الآن بندقية»، وهى قصيدة للشاعر نزار قبانى، من ألحان محمد عبدالوهاب، حملت فيها تحية لنضال الفلسطينيين، ولا تزال هذه الأغنية تُعبر عن جرح لم يلتئم بعد. وكذلك العندليب عبدالحليم حافظ، اختار أن يؤدى أغنية «المسيح» عام 1967 فى لندن، على الرغم من التحذيرات الإسرائيلية، حاملةً بكلمات عبدالرحمن الأبنودى وألحان بليغ حمدى رفضاً قوياً للاحتلال من خلال تصوير رمزى للقدس كفكرة ووجدان وهوية.
ومع اندلاع الانتفاضة الثانية، جاء أوبريت «القدس هترجع لنا» كرد فعل غاضب على استشهاد الطفل محمد الدرة، وشارك فيه فنانون من مختلف الأجيال، فى عمل عبّر عن الغضب العربى العارم. كما قدّم هانى شاكر أغنية «على باب القدس»، بينما غنّى عمرو دياب أغنيته الشهيرة «القدس دى أرضنا»، مؤكداً أن هذه الأرض لا تقبل المساومة. أما محمد فؤاد، فقد قدّم أغنية «الأقصى نادى»، وهى من الأغانى المؤثرة التى لاقت تفاعلاً واسعاً. وعبّر تامر حسنى عن فخره بالانتماء لفلسطين فى أغنية «ترابك يا فلسطين»، فيما أطلق مؤخراً أحمد سعد كليب «غصن الزيتون»، للتعبير عن الألم العميق الناجم عن ضياع فلسطين.
من جانبه، كشف الكاتب والسيناريست الدكتور مدحت العدل كواليس كتابة أوبريت «القدس هترجع لنا»، فى ظل الاعتداءات المتكررة على الشعب الفلسطينى، وآخرها العدوان الإسرائيلى الذى جاء رداً على عملية «طوفان الأقصى». وقال «العدل» لصحيفة «الوطن» إنه كتب كلمات الأوبريت أثناء عودته من جنوب أفريقيا على متن الطائرة، بعد انتهاء تصوير فيلم «أفريكانو»، موضحاً أن مشاعره تحركت بقوة بعد قراءته فى الصحف خبر استشهاد الطفل محمد الدرة وهو فى حضن والده، فى واحدة من أبشع جرائم الاحتلال.
ويرى الناقد الفنى مصطفى حمدى أن هذه الأغانى لم تكن مجرد أعمال فنية، بل كانت أدوات مقاومة ثقافية ساهمت فى ترسيخ الوعى بالقضية، والتصدى لمحاولات طمس الهوية الفلسطينية. وقال لصحيفة «الوطن»: «أعتقد أن الأغانى التى تحدثت عن النكبة ساهمت بشكل كبير فى ترسيخ إحساس الشعوب العربية بالقضية، وتعزيز فكرة الهوية الفلسطينية، كما أنها جاءت فى مواجهة الإعلام الغربى الذى يسعى لتشويه الحقائق».
وأضاف: «صحيح أن الزخم قد تراجع بعض الشىء الآن، إلا أنه فى فترات معينة، خصوصاً خلال الثمانينات والتسعينات، لعبت الأغانى دوراً مهماً فى التأكيد على أن هناك قضية لا تزال حية. كانت وسيلة فعالة لمقاومة النسيان، وتأكيد حق الشعب الفلسطينى فى وطنه وأرضه».
ومن أبرز الفنانين الذين ارتبطت أسماؤهم بالأغنية الفلسطينية، مارسيل خليفة، الذى كرّس مشروعه الفنى بدرجة كبيرة لنصرة القضية، من خلال أعمال خالدة أعادت تشكيل الوجدان العربى تجاه فلسطين. وكذلك فيروز، التى غنّت للقدس بصوتها العابر للزمن، وجوليا بطرس، التى تناولت القضية من زاوية لبنانية متأثرة بواقع الصراع الإقليمى.
وأشار «حمدى» إلى أن التراث الفلسطينى الشعبى زاخر أيضاً بأغانٍ تُخلّد النضال وتعبر عن صمود الشعب الفلسطينى، إلى جانب أعمال مصرية مهمة، مثل أغنية «القدس هترجع لنا»، التى كتبها مدحت العدل ولحنها رياض الهمشرى، والتى جاءت بعد استشهاد محمد الدرة، لتلهب مشاعر الملايين وتعيد الوعى بالقضية من منظور وجدانى وإنسانى، مضيفاً: «الأغانى كانت وما زالت أداة من أدوات المقاومة الثقافية، وسداً منيعاً فى وجه محاولات نسيان القضية أو تهميشها. إنها الذاكرة المغنّاة، التى تُورّث من جيل إلى جيل».