مصطفى عمار يكتب: في قمة بغداد.. الرئيس السيسي يكتب «شهادة حق» في زمن التنازلات
مصطفى عمار يكتب: في قمة بغداد.. الرئيس السيسي يكتب «شهادة حق» في زمن التنازلات
في عالم تحكمه المصالح وتتشكل فيه المواقف بتكتيكات المصالح والضغوط، جاء صوت الرئيس عبدالفتاح السيسي في قمة بغداد مختلفًا، قويًا، واضحًا، وحاسمًا في حديثه عن القضية الفلسطينية الذى جاء بمثابة «جرس إنذار»، ليس فقط للمنطقة، بل للعالم كله: لا سلام دون عدل، ولا عدل دون دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة.
ورغم محاولة البعض الالتفاف حول جوهر القضية الفلسطينية، وتغليف صفقات التهجير أو التصفية بعبارات خادعة عن «حلول إنسانية» أو «خطط إنقاذ»، فإن الرئيس السيسي رفض الانسياق وراء هذه المسرحيات، وأعلنها بمنتهى الوضوح: «حتى لو نجحت إسرائيل في إبرام اتفاقيات تطبيع مع جميع الدول العربية، فإن السلام الدائم والعادل والشامل في الشرق الأوسط يظل بعيد المنال ما لم تقم الدولة الفلسطينية وفق قرارات الشرعية الدولية».
الرئيس السيسي وضع النقاط فوق الحروف وأعاد التأكيد أن القضية الفلسطينية ليست سلعة تُباع أو بندًا على طاولة مفاوضات إقليمية
بهذا الموقف، وضع الرئيس المصري النقاط فوق الحروف، وأعاد التأكيد على أن القضية الفلسطينية ليست سلعة تُباع أو بندًا على طاولة مفاوضات إقليمية، بل هي قضية حق وعدالة وكرامة إنسانية.
المفارقة العميقة أن الرئيس السيسي الذي يتحدث اليوم بهذا الشرف، هو نفسه من تحمّل طوال السنوات الماضية أعباء بناء الدولة المصرية من الصفر، وسط مؤامرات وانهيارات تضرب المنطقة من أطرافها.
لكن الرئيس السيسي، الذي آمن منذ اللحظة الأولى بأن قوة مصر هي الضمانة لحماية القرار العربي، لم يَحِد عن الطريق؛ تمسك ببناء جيش قوي، واقتصاد متطلع، ودولة مستقرة، رغم الكلفة الباهظة والتحديات والأزمات الكبرى وبحْث الجميع عن مصالحهم فقط!
ولأن الشرف لا يتجزأ، جاءت كلمته في قمة بغداد امتدادًا طبيعيًا لنهج ثابت منذ توليه المسئولية، وموقف أصيل، لا يرضى أن تُبنى المشاريع على حساب دماء الأبرياء أو على أنقاض شعب جريح يُراد له أن يُنسَى. فمصر لا تبيع أو تشتري شيئًا - مهما بلغ الثمن - بدماء الشعب الفلسطيني ومصير قضيته.
كلمة الرئيس حملت إشارات سياسية دقيقة تؤكد أن من يريد مستقبلًا أفضل للمنطقة عليه أن يبدأ من جوهر الصراع لا من أطرافه
ولقد اختار الرئيس السيسي، منذ سنوات، طريق الصبر والعمل والمعركة مع التحديات لأنه قرأ مبكرا سيناريوهات المستقبل. واليوم، حين يقف أمام زعماء الأمة، فإنه لا يلقي خطبة، بل يوجّه رسالة من قائد مسئول، يرى الكارثة قبل أن تقع، ويحذر من نتائج الصمت والتخاذل.
وليس غريبا أن تخرج كلمته محمّلة بإشارات سياسية دقيقة، تؤكد أن من يريد مستقبلا أفضل للمنطقة، عليه أن يبدأ من جوهر الصراع، لا من أطرافه، ومن جذور القضية، لا من فروعها.
وفى زمن صارت فيه القضية الفلسطينية تُدار بعقلية الصفقات، وتتنافس دول على التماهي مع قوى دولية ولو على حساب حقوق الشعوب، برز الرئيس السيسي كصوت ضمير، ورمز شرف، ورجل يرفض المساومة.
إنه رئيس لم يبحث عن مكسب، بل حمل أمانة أمة، وتكلم باسم كل من لا صوت له، ودافع عن حق شعب يُباد ويُهجَّر ويُحاصَر أمام أعين العالم.
ما قاله الرئيس في قمة بغداد، ليس فقط موقفًا من قضية عادلة، بل رسالة تاريخية لمن يريد أن يفهم. ومن أراد أن يضمن للمنطقة مستقبلًا أفضل بعيدًا عن الحروب والصراعات، فليبدأ من احترام إرادة الشعوب، ودعم الحقوق، والتمسك بالشرعية الدولية لا التآمر عليها.
في قمة بغداد، لم يكن الرئيس عبدالفتاح السيسي مجرد متحدث، بل كان ضميرًا حيًا وسط صمت قاتل، وشرفًا نادرًا في زمن عَزَّ فيه الشرف.
كلماته ستبقى علامة فارقة، وموقفًا يُدرّس في زمن تحوّلت فيه المواقف إلى تجارة، والرؤى إلى مزايدات.