يسرا زهران تكتب: «كارتر» شعر بالقلق على حياة «السادات» خلال مباحثات «كامب ديفيد».. وقال لزوجته عن «بيجين» إنه «مختل عقلياً» (الحلقة الثانية)

كتب: أحمد فكري

يسرا زهران تكتب: «كارتر» شعر بالقلق على حياة «السادات» خلال مباحثات «كامب ديفيد».. وقال لزوجته عن «بيجين» إنه «مختل عقلياً» (الحلقة الثانية)

يسرا زهران تكتب: «كارتر» شعر بالقلق على حياة «السادات» خلال مباحثات «كامب ديفيد».. وقال لزوجته عن «بيجين» إنه «مختل عقلياً» (الحلقة الثانية)

«الوطن» تواصل قراءة أحدث كتاب عن وثائق «بريجينسكى» مستشار «كارتر» للأمن القومى

فى منتصف الأسبوع الماضى أصدر الصحفى البريطانى «إدوارد لوس»، كبير محللى الشئون الأمريكية فى صحيفة «فاينانشيال تايمز» البريطانية كتاباً عن إحدى أكثر الشخصيات إثارةً وغموضاً وخطورةً فى التاريخ الحديث.

هو كتاب يكشف عن تفاصيل ووثائق ومذكرات، يُنشر بعضها لأول مرة، من أرشيف وتاريخ مستشار الأمن القومى الأمريكى الأسبق فى عهد الرئيس «جيمى كارتر» فى نهاية السبعينات «زبيجنيف بريجينسكى»، أو كما كان يطلق عليه اختصاراً، كما يُظهر عنوان الكتاب نفسه، لقب «زبيج».

«كارتر» احتاج إلى درس يوضح فيه لموظفى البيت الأبيض طريقة النطق الصحيحة لاسم مستشاره بولندى الأصل «زبيجنيف بريجينسكى»، على الرغم من أن الاسم قد انتشر فى منطقتنا العربية ولدى بعض من لا يعرفون طريقة نطق الحروف البولندية كما يُكتب «زبجنيو بريجينسكى». تلك هى درجة الحيرة والالتباس التى يثيرها مجرد ذكر اسم الرجل، فما بالك بما كان يدور داخل عقله؟

اسمه المعقَّد والمحيِّر فى النطق هو خير دليل على مدى تعقُّد وصعوبة اختراق تفكيره وشخصيته. ذلك الرجل الذى كان مضرب المثل فى الدهاء السياسى، والتفكير الاستراتيجى من الطراز الثقيل، والذى وصل به نفاذ البصيرة السياسية إلى حد التنبؤ بانهيار الاتحاد السوفيتى (الروس يتهمونه حتى الآن بأنه يقف وراء مؤامرة إسقاطه)، وإلى أن ينتبه، فى الوقت الذى غفل فيه الآخرون، إلى أن الصين هى القوة العظمى الكامنة والقادمة التى تستعد للصعود.

هذا الرجل الذى كان يُعتبر المنافس الأقوى لوزير الخارجية الداهية الآخر «هنرى كيسينجر»، والذى كان يهوى الشطرنج وظل حتى آخر أيام عمره ينظر إلى العالم على أنه الرقعة التى تدور عليها لعبته الكبرى، كان لاعباً مؤثراً فى مرحلة مفصلية من تاريخ الشرق الأوسط، والتى شهدت توقيع اتفاقية «كامب ديفيد» للسلام بين مصر وإسرائيل عام ١٩٧٩.

وبعينه التى كانت ترى ما لا يراه غيره، نقرأ هذا التاريخ.

يحكى كتاب «إدوارد لوس»، الذى التقى فى مرات عديدة بـ«بريجينسكى» قبل وفاته عام ٢٠١٧، عن ذلك اليوم الذى عرف فيه مستشار الأمن القومى الأمريكى أن رئيسه قد قرر أن يُلقى بثقله فى مغامرة غىر مأمونة العواقب للتوصل إلى سلام فى الشرق الأوسط بين مصر وإسرائيل. يقول: «ذات صباح، دخل «بريجينسكى» على الرئيس «كارتر» ليجده واقفاً مستغرقاً فى التفكير وهو يدير نموذج الكرة الأرضية الضخم فى المكتب البيضاوى بالبيت الأبيض. كان «كارتر» يحاول إيجاد أفضل الأماكن التاريخية لعقد قمة سلام فاصلة بين الرئيس المصرى «أنور السادات»، ورئيس الوزراء الإسرائيلى «مناحم بيجين». لم يكن هناك من يمارس ضغوطاً عليه من أجل القيام بمثل هذه المقامرة، وكانت احتمالات نجاحه فى أن يجعل «السادات وبيجين» يتفقان على أى شىء ضعيفة للغاية. إلا أنه كان قد عقد العزم على ذلك بالفعل، وصار السؤال الوحيد المطروح هو: ما المكان الذى يُعد مناسباً لهذا الأمر؟».

ويواصل: «بحث «كارتر» و«بريجينسكى» احتمالات مثل إسبانيا، والمغرب، والبرتغال والنرويج. كل منها كان له مزايا وعيوب، وكان لـ«كازابلانكا» أو الدار البيضاء فى المغرب وقع خاص. وبعد عدة أيام من الأخذ والرد، استقر «كارتر» أخيراً على اختيار «كامب ديفيد»، المنتجع الرئاسى الأمريكى الرسمى فى ولاية «ماريلاند» لعقد المباحثات، نظراً لأنه يتيح للأمريكان سيطرة كاملة على الترتيبات اللوجيستية».

تُظهر قراءة كتاب «لوس» أن تلك اللحظة التى اتخذ فيها «كارتر» قراره بالسعى لعقد قمة سلام بين «السادات وبيجين» شهدت نوعاً من التوافق بين «بريجينسكى» ووزير الخارجية الأمريكى وقتها «سايروس فانس»، على الرغم من أن خلافات الاثنين كانت دائماً ما تفوق توافقهما. يقول «لوس»: «رأى كل من «بريجينسكى» و«فانس» أن تحرُّك «كارتر» كان تحركاً جريئاً ونبيلاً، وأنه قام بالأمر الصائب الذى ينبغى فعله. لكن كان الإشكال أن هذا الأمر يمكن أن يتحول إلى نوع من الانتحار السياسى فى حالة فشله، وفى هذه النقطة على الأقل اتفق المستشاران. لم تكن مسألة الوساطة فى الشرق الأوسط وليدة فكر أى منهما، إلا أن كليهما شعر بالإعجاب إزاء «كارتر» وجرأته».

قبيل بدء مفاوضات السلام، كان شبح الحرب الباردة يُلقى بظلاله على صفقات الأسلحة الأمريكية إلى الشرق الأوسط. يحكى الكتاب عن موقف يُظهر الطريقة التى كانت تدار بها النقاشات داخل الكونجرس الأمريكى والضغوط التى يمارسها اللوبى اليهودى لتحقيق مصالح إسرائيل داخل أمريكا. كانت هناك صفقة كبيرة لتسليم طائرات مقاتلة من طراز «إف-١٥» إلى كل من مصر والمملكة العربية السعودية وإسرائيل فى حزمة واحدة. ويحكى الكتاب: «إن «موريس عميتاى»، المدير التنفيذى للجنة الأمريكية الإسرائيلية للشئون العامة (آيباك)، والذى كانت هناك عداوة خاصة بينه وبين «بريجينسكى»، سعى بكل الطرق لفصل قرار تسليم الطائرات لإسرائيل عن القرار الخاص بصفقة تسليمها لجيرانها من الدول العربية الكبرى. قال «بيجين» إن هذه الطائرات المقاتلة (التى يتم تسليمها لمصر والسعودية) سوف يتم استخدامها ضد إسرائيل، ولم تكن هناك جدوى لكل محاولات «كارتر» و«فانس» لإقناع اللوبى اليهودى بتغيير موقفه، وبأن هذه الطائرات سوف تُستخدم لأغراض دفاعية فقط. كان أعضاء اللوبى اليهودى يدركون أن السبب الحقيقى وراء ما فعله «كارتر» فى صفقة الأسلحة له علاقة بالحرب الباردة (الدائرة مع الاتحاد السوفيتى وقتها)، وأنه كان من الضرورى الحفاظ على مصر والسعودية فى داخل المعسكر الأمريكى. ولأن البيت الأبيض بقيادة «كارتر» وقتها، كان يدرك أنه لو كان هناك تصويت منفصل داخل الكونجرس على صفقة الطائرات الأمريكية إلى الدول العربية فسوف يتعرَّض حتماً للعرقلة من قبَل تحالف الجمهوريين المحافظين والليبراليين من أنصار الرئيس الأسبق «جون إف كينيدى»، قرر البيت الأبيض تجميع كل صفقات الأسلحة فى حزمة واحدة. كان «كارتر» يتحدى الكونجرس لكى يصوِّت ضد قرار إرسال الأسلحة إلى إسرائيل» (لو أنه رفض إرسال الطائرات إلى الدول العربية معها فى القرار نفسه).

فى هذا المناخ المتوتر والمشدود، من الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى من ناحية، والحرب الساخنة القابلة لإعادة الاشتعال فى أية لحظة فى الشرق الأوسط من ناحية أخرى، بدأ «كارتر» رحلته للإعداد لمفاوضات «كامب ديفيد» بين مصر وإسرائيل.

استعداد «السادات» للاعتراف بإسرائيل كان متوقفاً على استعداد «بيجين» لمنح الفلسطينيين حق تقرير المصير.. و«حل الدولتين» كان هدفه فى النهاية

يحكى الكتاب أنه: «وسط كل هذا، بدا أن طموحات «كارتر» فيما يتعلق بمحادثات «كامب ديفيد» تتجاوز حد الإفراط. لقد قرر الرئيس الأمريكى أن يقامر بكل شىء، فإما أن ينجح فى تحقيق اتفاق كاسح أو ينهار تماماً. لهذا، وخلال استعداده للقمة، درس «كارتر» تاريخ المفاوضات، وطلب التقارير الداخلية عن التكوين النفسى لكل من «بيجين» و«السادات» وقرأ بنهم تاريخ صراعات الشرق الأوسط. وكان قرار «كارتر» هو أن يغلق على الزعيمين («السادات» و«بيجين») وفريقيهما داخل منتجعه الخشبى فى منتزه جبل «كاتوكتين» حتى يتوصل لاتفاق وصفقة معهما أو يفشل فى ذلك. وجعل «كارتر» كل وفد مقتصراً على الأفراد الأساسيين فيه، بالإضافة إلى مجموعة صغيرة من المساعدين».

ويصف الكتاب أجواء بداية محادثات «كامب ديفيد» قائلاً إنه: «باستثناء صورة رسمية واحدة فى بداية المحادثات، تم إبقاء وسائل الإعلام بعيداً عن المكان. كانت الاتصالات مع الخارج مستحيلة إلا عبر الهواتف الموجودة فى الكبائن أو الأكواخ الخشبية، والتى افترض كل من المصريين والإسرائيليين خطأً أنها مراقبة. وبتلك الطريقة استطاع «كارتر» أن يحافظ على الصمت فيما يتعلق بحالة المحادثات لما يقرب من أسبوعين. وبلغ عدد أعضاء الوفدين معاً ٤٤ فرداً، بالإضافة إلى ما يقرب من ثمانين شخصاً من الطاقم المعاون، تم وضعهم جميعاً داخل المنتجع، ينامون على أسرَّة صغيرة تم تجميعها على عجل فى غرف تتسع فى الأصل بالكاد لشخص أو شخصين. وانضمت «ميكا»، ابنة «بريجينسكى»، التى كانت وقتها فى الحادية عشرة من عمرها، إلى «إيمى» ابنة «كارتر»، وأمضت الفتاتان الأيام القليلة الأولى للقمة فى السباحة وركوب الدراجات ومشاهدة الأفلام. بالنسبة إليهما، كان الأمر مجرد إجازة. وعلى العكس منهما، بالنسبة لـ«بيجين»، كانت الإقامة فى المكان تشبه «معسكر تعذيب فاخر» (معسكرات التعذيب هى الاسم الذى يطلق على المعتقلات التى يقول اليهود إن الزعيم النازى «أدولف هتلر» كان يعتقلهم ويعذبهم فيها خلال الحرب العالمية الثانية فيما عُرف تاريخياً باسم «المحرقة» أو «الهولوكوست»). وبعد أيام بدأ الجميع يشكون من أعراض «حمى المقصورة» (الناتجة عن البقاء داخل أماكن مغلقة لمدة طويلة، ومنها أعراض مثل الملل والضيق والعصبية والإجهاد والتعب)».

ويواصل الكتاب: «كان «كارتر» ينظر إلى الوفدين المصرى والإسرائيلى كما لو كانا صورة عكسية لبعضهما البعض. كان «بيجين» هو العضو الأكثر عناداً وجدلاً فيما يتعلق بالتفاصيل القانونية الصغيرة بين أعضاء فريقه الإسرائيلى، ولذلك كان «كارتر» يلجأ عادةً إلى «موشى ديان»، وزير الخارجية الإسرائيلى فى ذلك الوقت (ووزير الدفاع قبلها خلال حربَى ١٩٦٧ و١٩٧٣)، و«عزرا وايزمان» وزير الدفاع (أصبح فيما بعد رئيساً لإسرائيل) من أجل إيجاد طريقة للدوران حول زعيمهما. وكانا عادة ما يتجاوبان معه. وفى لحظة مشحونة، أجرى «ديان» و«وايزمان» اتصالاً بـ«أرييل شارون»، وزير الزراعة فى ذلك الوقت (أصبح فيما بعد رئيساً للوزراء فى إسرائيل) للحصول على دعمه فى مسألة تفكيك المستعمرات الإسرائيلية فى صحراء سيناء. ووافق «شارون» على هذه الخطوة بشرط أن يتم عرضها على «الكنيست» الإسرائيلى. وساعتها فقط، وافق «بيجين» على ذلك».

ويتابع: «أما فريق «السادات»، فكان على العكس مليئاً بـ«الصقور»، بينما كان «السادات» نفسه، بطبيعته الشاعرية والعاطفية، يمتلك كل ما يفتقده «بيجين». ووفقاً لمذكرة كتبها «بريجينسكى» بتاريخ ١٤ سبتمبر ١٩٧٨، فإنه فى أحد الأيام، فى الساعة 4٫15 صباحاً، أيقظه «كارتر» باتصال على هاتف الكوخ الذى يقيم فيه وطلب منه المجىء. كان الرئيس الأمريكى يشعر بقلق يصل إلى حد الهلع على أمن «السادات» بعد أن توجه فى الساعة العاشرة من مساء اليوم السابق إلى الكوخ الذى يقيم فيه «السادات» فقيل له إن الرئيس المصرى نائم على الرغم من أن الأضواء كانت لا تزال مضاءة. وبما أنه كان من المعروف عن «السادات» أنه يسهر حتى ساعات متأخرة من الليل، صار «كارتر»، الذى استيقظ على هاجس رهيب يسيطر عليه، يخشى وقوع الأسوأ، وقال لمستشاره «بريجينسكى»: «زبيج»، إننى أشعر بقلق بالغ على حياة «السادات». وعلى الفور، قام «بريجينسكى» بإحكام الأمن ووضع كل التحركات من وإلى الكوخ الذى يقيم فيه «السادات» تحت المراقبة».

مستشارو «كارتر» اتفقوا على أن فشل وساطته فى الشرق الأوسط سيكون انتحاراً سياسياً له والرئيس الأمريكى نال احترام «بريجينسكى» بسبب اهتمامه البالغ بتفاصيل الاتفاق

لكن «كارتر» لم يكن وحده من يستشعر الخطر، ولا حجم المجازفة التى يقوم بها الرئيس «السادات» خلال عملية تفاوضه من أجل التوصل إلى اتفاق للسلام مع إسرائيل.

ينقل الكتاب تفاصيل مذكرة أخرى، كتبها «بريجينسكى» بتاريخ ١٦ سبتمبر ١٩٧٨، قال فيها: «إنه خلال مناقشة دارت قبل العشاء بين كل من «بريجينسكى» و«عزرا وايزمان» والدكتور «بطرس بطرس غالى» الذى كان وقتها نائباً لوزير الخارجية المصرى، أعرب «بطرس غالى» عن وجهة نظره بأنه لا ينبغى على «السادات» توقيع مسوَّدة الاتفاقية التى كان يتم العمل على التوصل إليها، وأن الإطار الذى تقدمه للحكم الذاتى الفلسطينى قد تمت صياغة عباراته على نحو غامض للغاية، بشكل يجعل «السادات» يعرِّض نفسه لخطر بالغ، سواء فى العالم العربى أو فى داخل بلاده نفسها. وكانت تخوفات «بطرس بطرس غالى» أقرب إلى النبوءة. ولنفس السبب، قرر رئيسه «محمد إبراهيم كامل» الذى كان يشغل منصب وزير الخارجية الاستقالة قبل أن تنتهى القمة، على الرغم من أنه وافق على إبقاء الأمر سراً حتى وقت لاحق، وشغل «إبراهيم كامل» منصبه لبضعة أشهر بعد أن استقال سلفه (وزير الخارجية الأسبق «إسماعيل فهمى») من منصبه احتجاجاً على زيارة «السادات» إلى القدس عام ١٩٧٧. وكان معظم العمل مع «السادات» خلال المباحثات يتم بشكل سرى مع كارتر».

«كارتر» استعد لـ«كامب ديفيد» بقراءة تقارير عن التكوين النفسى لـ«بيجين» و«السادات» وتاريخ المفاوضات والصراع فى الشرق الأوسط

ويتابع الكتاب: «بعد ثلاثة أيام أدرك «كارتر» أن شيئاً لن يتم تحقيقه مع وجود الإسرائيليين والمصريين فى غرفة واحدة. عندما كان الفريقان يجتمعان لتناول وجباتهم الجماعية داخل كوخ «أسبن» فى المنتجع، كان الوفدان المصرى والإسرائيلى يجلسان على موائد منفصلة. وكان الاستثناء الوحيد، كما لاحظ «بريجينسكى» فى مذكرة كتبها بتاريخ ٥ سبتمبر ١٩٧٨، هو ما حدث فى المرة التى اتجه فيها «عزرا وايزمان» بشكل استعراضى إلى مائدة الوفد المصرى كأنه يريد إثبات نقطة معينة. يقول «بريجينسكى»: كان هناك الكثير من المزاح والضحك وتبادل الحكايات الصغيرة بينما جلس «موشى ديان» متجهماً وقد بدا عليه الغضب واضحاً بسبب ما فعله «وايزمان». أما «بيجين» فكان يتناول طعاماً معداً على الطريقة اليهودية (كوشر) بأيدى الطهاة الفلبينيين فى المنتجع، وحيداً فى الكوخ الخاص به».

ويواصل الكتاب سرده لتفاصيل تلك الأيام التاريخية الفاصلة فى مصير الشرق الأوسط قائلاً: «تحول «كارتر» بعدها من لعب دور الوسيط إلى تولى مسئولية عقد مباحثات ثنائية بشكل متوازٍ. وتولى بنفسه مهمة صياغة العديد من مسوَّدات الاتفاق. ولم يحدث أن انخرط رئيس أمريكى، لا قبل «كارتر» ولا بعده إلى هذا الحد فى أى مفاوضات على امتداد مثل هذه الفترة الزمنية الطويلة. لقد كانت تعليقات «بريجينسكى» المكتوبة خلال فترة معاصرته لـ«كارتر» تميل إلى جانب الانتقاد للرئيس الأمريكى الأسبق، على الرغم من أنها لم تصل إلا فى حالات نادرة إلى حد النقد اللاذع. إلا أنه على امتداد قمة «كامب ديفيد»، ظهر جلياً مدى تقدير «بريجينسكى» لقدرة «كارتر» على امتلاك زمام كل التفاصيل ورفضه الاستسلام. كان اهتمام «كارتر» المفرط بالتفاصيل يمثل عائقاً وعبئاً فى مواقف أخرى وسياقات مغايرة، لكنه كان أمراً لا غنى عنه فى مباحثات «كامب ديفيد». وفى مذكرة كتبها «بريجينسكى» بتاريخ ٩ سبتمبر ١٩٧٨، قال «بريجينسكى»: إننى معجب للغاية بهذا القدر من الإصرار والتركيز على التفاصيل الذى أظهره الرئيس «كارتر». كان ذلك بعد أن أمضى «كارتر» منفرداً ذات صباح ما يقرب من أربع ساعات كاملة مع الخبراء القانونيين المصريين والإسرائيليين للنظر فى مستند كتبه وأعده بنفسه».

«بريجينسكى» تولى مهمة التعامل مع «بيجين» و«كارتر» كان يفضل التعامل مع «موشى ديان» و«عزرا وايزمان» فى الوفد الإسرائيلى ومع «السادات» فى الوفد المصرى

ويتابع الكتاب: «ووفقاً لوثيقة أخرى لـ«بريجينسكى» بتاريخ ١١ سبتمبر ١٩٧٨، فإن «كارتر» وصف «بيجين» لزوجته، السيدة الأمريكية السابقة «روزالين كارتر» قائلاً عنه إنه «مختل عقلياً». كان البرود الذى يسود بين «كارتر» و«بيجين» محسوساً وواضحاً، بينما كان الرئيس الأمريكى، على العكس، يشعر بمودة عميقة إزاء الرئيس «السادات»، ومرة تلو الأخرى، كان الزعيم المصرى يعرف كيف ينزع فتيل غضب الرئيس الأمريكى. وعندما وصل الحال بـ«كارتر» إلى أنه لم يعد قادراً على الكلام مع «بيجين» أرسل إليه وزير خارجيته «سايروس فانس» لكنه أصر على أن يصحبه «بريجينسكى». وكان «بريجينسكى» هو الذى يتولى مهمة التعامل مع «بيجين»، مستنداً فى ذلك إلى أصولهما البولندية المشتركة وحبهما للعب الشطرنج. وفى إحدى المرات، طلب «بيجين» من «بريجينسكى» أن يسير معه، وأخبره أنه يشعر بأنه مجروح لما سمع أنه (أى «بريجينسكى») يشير إلى المستوطنات الإسرائيلية فى الضفة الغربية باعتبارها «شكل من أشكال الاستعمار»، وأنه سمع أن «كارتر» يستخدم نفس المصطلح. وقال «بيجين» لـ«بريجينسكى»، كما كتب الأخير فى مذكرة بتاريخ ١٢ سبتمبر ١٩٧٨: إن التفكير فى إمكانية تفكيك المستوطنات يُعد ضرباً من الخيال»

لماذا كانت المستوطنات تمثل مسألة شائكة فى المحادثات؟ يقول الكتاب إنه: «لو لم يكن من الممكن تغيير موقف «بيجين» من المستوطنات الإسرائيلية فإن كل الجهود كانت ستذهب هباءً. لقد كان استعداد «السادات» لكى يصبح أول زعيم عربى يعترف بإسرائيل متوقفاً على استعداد «بيجين» للموافقة فى نهاية المطاف على منح الفلسطينيين حق تقرير المصير، حتى لو استغرق الأمر عدة سنوات. وعلى الرغم من أن مصطلح «حل الدولتين» لم يُستخدم قط، إلا أن هذا الأمر كان هدفاً ضمنياً لكل من «السادات» و«كارتر». وكان «السادات» واضحاً تماماً فى بيان أن الجزء الأول من الاتفاق، الذى ينص على الانسحاب الإسرائيلى التدريجى من شبه جزيرة سيناء فى مقابل اعتراف مصر بها دبلوماسياً لا بد أن يرتبط بآلية متفق عليها ينتج عنها إنشاء وطن للفلسطينيين. لكن على الرغم من أن «كارتر» بذل قصارى جهده، ومن محاولات الإقناع المتعددة التى قام بها رفاق «بيجين» من الإسرائيليين، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلى لم يتزحزح عن موقفه».

ويواصل الكتاب: «أمضى «بيجين» و«كارتر» ساعات طويلة يتجادلان فيها حول قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم ٢٤٢ الذى ينص على «عدم جواز الاستيلاء على الأراضى عن طريق الحرب». تبنَّى «كارتر» وجهة النظر السائدة التى ترى أن هذه العبارات تنطبق على الضفة الغربية التى احتلتها إسرائيل عقب حرب الأيام الستة فى يونيو عام ١٩٦٧، إلا أن «بيجين» أصر على أن نص قرار الأمم المتحدة لا ينبغى له أن يطبَّق على الأراضى التى سماها بـ«يهودا والسامرة». وهنا بدأ «كارتر» يتساءل بينه وبين نفسه عن مدى السلامة العقلية لرئيس الوزراء لإسرائيلى!».

الرئيس الأمريكى تساءل عن السلامة العقلية لـ«بيجين» عندما قال له الأخير إن قرار مجلس الأمن رقم ٢٤٢ لا ينطبق على أراضى الضفة الغربية التى كان يسميها «يهودا والسامرة»

وفى الوقت الذى كان فيه الرئيس الأمريكى منشغلاً بالتقييم النفسى والعقلى لرئيس الوزراء الإسرائيلى، كان الرئيس المصرى، بطريقته الحاسمة، يتخذ قراره بالانسحاب من المفاوضات.

وكانت تلك هى اللحظة التى تمثل عنق الزجاجة الذى يمكن أن تختنق وتنكسر عنده كل جهود السلام فى الشرق الأوسط، لتعود الأمور بعدها من جديد إلى نقطة الصفر، أو يدفع بسببها الرئيس «السادات» ثمناً فادحاً يتحمله وحده من أجل مصر.

وكانت تلك قصة أخرى.

1234


مواضيع متعلقة