هل «ألزهايمر» يصيب الشعوب أيضا؟

خالد منتصر

خالد منتصر

كاتب صحفي

احتل خبر موافقة منظمة الغذاء والدواء الأمريكية على تحليل الدم الكاشف لمرض ألزهايمر، أهم مانشيتات الجرائد فى الأيام الماضية، ودارت المناقشات، وطرحت الأسئلة هل توافق أن تكتشف مرضاً سيصيبك بعد سنة أو سنتين، وأنت تعرف أنه لا وقاية منه، ولا علاج له؟، وماذا سيكون إحساسك؟، إحساس فى منتهى القسوة، وسؤال وجودى فلسفى عويص صعب الإجابة. سرح خيالى أبعد إلى سؤال أكثر خطورة من ألزهايمر الذى هو أخطر مرض إنسانى من وجهة نظرى، هو أخطر من السرطان، السؤال هو عن ألزهايمر الشعوب والمجتمعات، فالشعوب مثل أفرادها من الممكن أن يصيبها هذا الألزهايمر، فتنسى ماضيها، ولا تتفاعل مع حاضرها، ولا تمتلك القدرة على صناعة مستقبلها، وهذا أكبر خطر، فالسرطان الاقتصادى على سبيل المثال من الممكن أن يدمّر مجتمعاً.

لكن هذا المجتمع من الممكن أن يتعافى ويظل واقفاً على قدميه يعافر مثلما نرى بعض مرضى السرطان يعافرون بل ويشفون منه، لكن ألزهايمر المجتمعات يصيب الهوية، فمثلما يفقد الفرد المصاب بألزهايمر هويته، بصمته الإنسانية، بحيث لا يرى الابن فى أبيه، صورة الأب الذى عاش معه طوال عمره، فالمجتمع المريض بألزهايمر يفقد هويته ويصبح مسخاً لا طعم له ولا لون، بلغتنا العامية «بزرميط» اجتماعى، اجتماعياً يتفكك، يفقد جذوره، لا يعرف من حوله، ومن حوله لا يعرفونه، تصبح الأماكن لدى المواطن مساحات خرساء، ويصبح الزمن عقارب ساعات بكماء صماء، مثلما هى نظرة مريض ألزهايمر باردة كالثلج، فالمجتمع المصاب به هو أيضاً صاحب نظرة باردة، عواطفه كلها من على السطح، لا مبالاة اجتماعية تغلف تصرفات أفراده، مواطنوه جزر معزولة، جفت مياه البحر بينها، فلا قارب ينفع، ولا سباحة مجدية.

الأمة التى تتعامل مع التاريخ كدليل تليفونات، الملك أو السلطان أمامه وقت المعركة أو الغزوة، وهلم جرا، هى أمة لديها ألزهايمر، فالتاريخ لحم ودم، النكتة تاريخ، وصفحة الوفيات تاريخ، ونميمة الحرافيش تاريخ، وكتابات الشعراء وملاحم الحكائين تاريخ، المصادر التاريخية ليست لفافات القصور فقط، ولكنها نفايات الشارع أيضاً، التاريخ لا يكتب فى بخار الجاكوزى، ولكنه يكتب فى دخان المقاهى، وأنفاس الحوارى، وحتى فى صمت المقابر، وليس لزاماً أن تتعطر أوراق التاريخ بالعطور الباريسية، ولكنه من الواجب أن نشم فيه رائحة عرق الغلابة، المؤرخ الذى يكتب وهو يرتدى الكمامة والقفازات، هو مؤرخ مروج لفيروس ألزهايمر، مؤرخ خائن، المؤرخ لا يحقن التاريخ بوتوكس وفيلر، المؤرخ يترك التجاعيد كما هى، يدون تقطيبة الجبين وترهل الصدر، بنفس الصدق الذى يدون به طابع الحسن وزرقة العينين.

ألزهايمر مرض قاسٍ للأفراد، لكنه أكثر قسوة للمجتمعات والشعوب والأوطان، فالفرد المريض سيعتنى به جاره السليم، لكن من يعتنى بمجتمع عقله الجمعى أصيب بهذه الترسّبات التى تحنطت وتكلست وافترست قشرة مخه وفصوصه، تحليل الدم الجديد الذى وافقت عليه أمريكا وسيبدأ استخدامه خلال فترة وجيزة، سيكشف المرض المستقبلى، والعلم لا يؤجل المواجهة، لكنه يحاول ببعض الأدوية أن يؤخر الأعراض، ويأمل فى القضاء على المرض قريباً، ممكن من خلال حقن أو كبسولات أو علاجات جينية.. إلخ، لكن ألزهايمر الشعوب هل ستجدى معه الكبسولات والحقن؟، نسيان الماضى هو ألزهايمر الأفراد، لكن الغرق فى الماضى هو ألزهايمر الشعوب، أن تعيش كمومياء وليس ككائن حى، هو الألزهايمر الحقيقى، أن تتصرف بنفس عقلية أهل الكهف وإنسان النياندرتال، فأنت لم تتجاوز عتبة عصر القردة إلى عصر الهوموسابينس بعد، عش زمنك بحلوه ومره، وتحمل أعراضه الجانبية، لكن أن تصر على أن تلبس جلبابك وأنت طفل، وتعاند وتصر على الجلوس فى عربة الأطفال التى كنت تجلس فيها بعد ولادتك، أو تطلب أن تتكور لتسكن رحم أمك جنيناً، فأنت قد تخطيت مرحلة الجنون، وتجاوزت سراب العدم.