«صفقة» أمريكية تُبعد «شبح الحرب» بين الهند وباكستان
«صفقة» أمريكية تُبعد «شبح الحرب» بين الهند وباكستان
عندما غرَّد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، فى 10 مايو الجارى، بأن الهند وباكستان قد اتفقتا على وقف إطلاق النار، تنفَّس العالم الصعداء، فقد اقترب الجاران النوويان من حافة حرب شاملة، بعد أن تبادلا، على مدى ثلاثة، أيام ضربات صاروخية وهجمات بطائرات مُسيَّرة، استهدفت منشآت عسكرية ومواقع دينية، وبلغ التوتر ذروته عندما قصفت القوات الهندية قاعدة «نور خان» الجوية الباكستانية، القريبة من مقر قيادة القوات النووية الباكستانية، وهو هجوم كان يمكن أن يؤدى إلى تصعيد غير قابل للسيطرة، الأمر الذى دفع واشنطن إلى التدخل، على الرغم من إصرار مسئولين أمريكيين كبار على عدم رغبة إدارة الرئيس ترامب التدخل فى الأزمة بين الهند وباكستان.
«دوافع داخلية» تمنع «نيودلهى وإسلام أباد» من التراجع عن الانزلاق إلى «الفوضى»
ورغم أن أصوات المدافع قد توقفت الآن، فإن الخطر لا يزال قائماً، ويمكن أن تُقرع «طبول الحرب» من جديد بين لحظة وأخرى، فقد استمر إطلاق النار بين الجانبين لساعات، بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ. وفى تقرير لها حول الجولة الأخيرة من التصعيد العسكرى بين نيودلهى وإسلام أباد، أكدت مجلة «فورين أفيرز» أنه «ينبغى ألا يتوهم أحد أن هذين الخصمين سيحلان نزاعهما العميق حول كشمير فى وقت قريب»، فهذا النزاع الممتد حول الإقليم الجبلى المقسم، يعود إلى تقسيم شبه القارة عام 1947، ومنذ ذلك الحين أصبحت كشمير تحمل رمزية خاصة لكلا البلدين، وتشكل جزءاً مهماً من تصورهما لهويتهما الوطنية، فباكستان، التى أُنشئت لتكون وطناً للمسلمين فى جنوب آسيا، ترى أن من حقها المطالبة بالإقليم ذى الأغلبية المسلمة، بينما يرفض المسئولون الهنود هذا الطرح، ويعتبرون كشمير جزءاً لا يتجزأ من الدولة الهندية، خصوصاً أن حاكم «جامو وكشمير» قبل التقسيم، وكان هندوسياً، قرر الانضمام إلى الهند.
خاضت الهند وباكستان حربين، ونزاعاً حدودياً، وعدة أزمات عسكرية، بسبب وضع كشمير. وبحسب الصحيفة الأمريكية فإنه منذ وصول حكومة رئيس الوزراء الهندى، ناريندرا مودى، من القومية الهندوسية، إلى السلطة عام 2014، أصبحت ردود الهند على الهجمات عبر خط السيطرة، وهو الحد الفاصل غير الرسمى بين البلدين، أكثر عنفاً، أما قائد الجيش الباكستانى الحالى، الفريق أول عاصم منير، فهو معروف بتشدده، وقد ظهر ذلك فى تصريحاته الحادة حول كشمير، والخلافات بين الهندوس والمسلمين فى منتصف أبريل، ولكل من الطرفين دوافع داخلية تمنعه من التراجع عن مواقفه المتشددة.
ورغم أن ترامب، الذى يعتبر نفسه بارعاً فى عقد الصفقات، قد تُغريه محاولة التوصل إلى حل نهائى لوضع كشمير، فإن عليه مقاومة هذا الإغراء، فأى محاولة من قبَل واشنطن لعقد صفقة نهائية قد تشجع باكستان على تصعيد الهجمات ضد الهند، وتُجهد العلاقات «الأمريكية - الهندية» بلا داعٍ، ولن تؤدى فى الغالب إلى نتيجة، ويمكن للولايات المتحدة أن تضغط على باكستان للتوقف عن دعم الهجمات عبر الخط الفاصل، وأن تدعو الطرفين لاحترام هذا الخط، ولكن دورها يجب أن يقتصر فى الأساس على إدارة الأزمات، وهو الدور الذى تتحمل فيه مسئولية خاصة، ولا ينبغى أن تحاول حل «قضية غير قابلة للحل»، واعتبرت أن النزاع بين الهند وباكستان حول كشمير يمثل مثالاً واضحاً على نوع التحديات فى السياسة الخارجية التى لا يمكن حلها ولا تجاهلها، وتتطلب عملاً دائماً للحيلولة دون انزلاقها إلى «الفوضى».
«فورين أفيرز»: على واشنطن التركيز على إدارة الأزمات
كانت الشرارة التى فجَّرت الأزمة الحالية بين الهند وباكستان مألوفة جداً، وتكررت فى نمط اعتادت عليه الأزمات العسكرية بين البلدين على مدار 25 عاماً، ففى 22 أبريل، شن مسلحون هجوماً على مجموعة من السائحين الهنود، داخل الجزء الخاضع للهند، أسفر عن مقتل 26 شخصاً، وعلى الفور، ادعت نيودلهى أن الهجوم نفذته جماعة «لشكر طيبة»، التى تتخذ من باكستان مقراً لها، والمصنَّفة من قبَل الولايات المتحدة كمنظمة إرهابية، وردَّت فى 7 مايو بقصف مقر الجماعة فى «موريكى»، إلى جانب 8 مواقع أخرى فى الجزء الخاضع للسيطرة الباكستانية من إقليم كشمير وفى إقليم «البنجاب» داخل الأراضى الباكستانية، وزعمت الهند أن الأهداف كانت «بنى تحتية إرهابية»، وسقط ضمن القتلى «عبدالرؤوف أزهار»، المصنَّف كـ«إرهابى خطير» من قبَل الولايات المتحدة، وأحد المتهمين فى اختطاف طائرة الخطوط الهندية عام 1999، عندما اضطرت الهند حينها للإفراج عن مجموعة من «الإرهابيين»، من بينهم «عمر شيخ»، الذى اختطف لاحقاً الصحفى «دانيال بيرل»، من صحيفة «وول ستريت جورنال»، وقُتل بطريقة وحشية عام 2002، وفقاً لتقرير «فورين أفيرز».
إلا أن ما أعقب الرد العسكرى الهندى فى 7 مايو كان «الحادث الأخطر» بين البلدين منذ «نزاع كارجيل» الحدودى عام 1999، عندما تسللت قوات باكستانية متخفية إلى الجانب الهندى من خط السيطرة، مما أدى إلى معركة استمرت شهرين، وأسفرت عن مقتل أكثر من 1000 جندى من الجانبين، لكن حتى ذلك النزاع الحدودى كان محصوراً فى جزء محدد من كشمير، بينما امتدت المعارك الأخيرة على طول خط السيطرة، وتجاوزت الحدود الدولية إلى داخل أراضى كل من الهند وباكستان خارج كشمير، واستخدمت الدولتان طائرات مُسيَّرة وصواريخ ضد أهداف عسكرية ومواقع دينية، مما زاد من احتمالية التصعيد وخروج الأمور عن السيطرة.
فى البداية، لم تُبدِ إدارة ترامب، ولا نائبه جاى دى فانس، اهتماماً بالتدخل فى الأزمة بين الهند وباكستان، رغم أن وزير الخارجية، ماركو روبيو، كان يُجرى اتصالات مكثفة مع مسئولى البلدين، ففى 25 أبريل قال ترامب: «سيجدون حلاً بطريقتهم»، بينما قال فانس فى 8 مايو: «هذا لا يخصنا فى الأساس»، ولكن بعد الضربة التى نفذتها الهند على قاعدة «نور خان» فى 9 مايو، بدأت واشنطن تشعر بقلق حقيقى من احتمال أن يلجأ الطرفان إلى السلاح النووى.
وفى خطوة فاجأت الجميع، أعلن الرئيس ترامب التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الهند وباكستان، وهو الإعلان الذى تنفس معه العالم الصعداء، بعد إبعاد «شبح الحرب» ولو مؤقتاً. وبعد ساعات من الاتفاق، أعلن الرئيس الأمريكى نيته زيادة التجارة مع البلدين، والمساعدة فى حل نزاع كشمير بشكل دائم، لكن ردود فعل الهند وباكستان المتباينة على إعلان وقف إطلاق النار، تشير إلى أن هذا سيكون «مهمة شبه مستحيلة»، كلا الطرفين حاول السيطرة على رواية ما حدث، إذ أنكرت الحكومة الهندية أن واشنطن كان لها دور كبير فى المفاوضات، بينما وجَّه رئيس الوزراء الباكستانى، شهباز شريف، الشكر إلى الرئيس ترامب، على تدخله لوقف إطلاق النار، كما رفضت الهند ما أعلنه «روبيو» من أن نيودلهى وافقت على «حوار شامل»، بينما أكدت إسلام أباد تصريحات وزير الخارجية الأمريكى.
واختتمت «فورين أفيرز» تقريرها بالقول إنه ليس من المفاجئ أن تقلل الهند من دور الولايات المتحدة، فلطالما رفضت نيودلهى الوساطات الخارجية فى نزاعاتها مع باكستان، وهى حساسة للغاية تجاه أى تدخل دولى فى قضية كشمير، أما إسلام أباد، فتحاول جذب الانتباه الدولى إلى القضية، وإقناع واشنطن بأن تسوية النزاع ضرورية لتجنب حرب قد تتحول إلى نووية.