بعد «البنيان المرصوص» و«سيندور».. «اتفاق مفاجئ» لإبعاد «شبح الحرب» بين الهند وباكستان

كتب: مصطفى الصبري

بعد «البنيان المرصوص» و«سيندور».. «اتفاق مفاجئ» لإبعاد «شبح الحرب» بين الهند وباكستان

بعد «البنيان المرصوص» و«سيندور».. «اتفاق مفاجئ» لإبعاد «شبح الحرب» بين الهند وباكستان

عاد شبح الحرب ليخيم من جديد فوق سماء جنوب آسيا أواخر الأسبوع الماضى، بعد تصاعد التوترات العسكرية بين الهند وباكستان، قبل أن تعلن الدولتان، السبت الماضى، التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بشكل فورى بين الجانبين، فى أعقاب التصعيد العسكرى بين «نيودلهى وإسلام أباد»، على خلفية هجوم وقع فى منطقة «باهالجام» بإقليم كشمير، المتنازع عليه، فى 22 أبريل الماضى، وأسفر عن مقتل عدد من المدنيين، وتبنته جماعة يُشتبه فى صلتها بجماعات انفصالية تتخذ من كشمير مقراً لنشاطها، الرد الهندى على ذلك الهجوم لم يتأخر كثيراً، إذ أطلقت القوات المسلحة الهندية عملية أطلقت عليها اسم «سيندور»، استهدفت مواقع قالت إنها تابعة لميليشيات مدعومة من باكستان، فى تصعيد فسرته «إسلام أباد» بأنه تجاوز جديد لخط السيطرة الفاصل بين شطرى كشمير.

وبحسب تقرير لمجلة «نيوزويك»، فإن باكستان لم تنتظر طويلاً هى الأخرى للرد على العملية العسكرية الهندية، إذ أعلن الجيش الباكستانى، فى اليوم التالى، إطلاق عملية «البنيان المرصوص»، التى وُصفت بأنها أكبر رد عسكرى على هجوم هندى منذ أكثر من عقد، وشملت تنفيذ ضربات دقيقة على منشآت عسكرية هندية محاذية للحدود، قبل أن يعلن الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، عن اتفاق وقف إطلاق النار بين الهند وباكستان، وهو الإعلان الذى أكدته كلتا الدولتين، ودخل حيز التنفيذ بشكل فورى.

وأشارت الصحيفة الأمريكية إلى أن التصعيد بين الجارتين النوويتين بلغ ذروته حين اندلعت «معركة جوية هائلة»، وصفت بأنها الأكبر من نوعها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وفق ما أوردته شبكة «CNN» الإخبارية، حيث اشتبكت 125 طائرة مقاتلة من الجانبين، فى مواجهة استمرت أكثر من ساعة، استخدمت فيها صواريخ «جو - جو» بعيدة المدى، على مسافات تجاوزت 160 كيلومتراً، لتجنب دخول المجال الجوى للدولة الأخرى.

وأوردت المجلة الأمريكية، فى تقرير لها، نقلاً عن مصدر أمنى باكستانى رفيع، أن الدفاعات الجوية تمكنت من إسقاط 5 طائرات هندية خلال المعركة الجوية، وأضاف أن الطيارين الهنود نفذوا طلعات متعددة، استهدفت مواقع محددة داخل الأراضى الباكستانية، إلا أن الدفاعات الجوية تمكنت من صد الهجوم، وأكد المصدر الباكستانى أن الطيارين كانوا أكثر حرصاً على عدم عبور الحدود الدولية الفاصلة بين الجانبين، تجنباً لوضع حكومتى البلدين فى حرج دبلوماسى، مشيراً فى هذا الصدد إلى حادثة وقعت فى عام 2019، عندما اخترقت طائرة هندية المجال الجوى لباكستان، قبل أن تتصدى لها الدفاعات الجوية وتتمكن من إسقاطها، وتم أسر قائد الطائرة، ما وضع حكومة «نيودلهى» فى مرمى انتقادات دولية.

وأشارت «نيوزويك» إلى أن هذه المعركة، التى وصفتها بالأكبر منذ الحرب العالمية الثانية، أعادت إلى الأذهان عدداً من المعارك الجوية التى كانت فاصلة فى التاريخ الحديث، منها معركة «كورسك» فى يوليو وأغسطس من عام 1943، عندما نشرت ألمانيا النازية 2000 طائرة، مقابل 2792 طائرة تابعة لروسيا، وهى المعركة التى ساعدت القوات السوفيتية فى تغيير مجرى الحرب العالمية الثانية، ووفقاً لقائمة أعدتها جامعة «نورويتش» لأكبر المعارك الجوية فى العالم، فإن هذا النوع من المعارك، بعد الحرب العالمية الثانية، كان فى العموم على نطاق أصغر، ولكنه كان مهماً فى حسم الحروب، ومن أبرزها معركة «المنصورة» الشهيرة عام 1973، حين خاض الطيارون المصريون مواجهة بطولية ضد الطيران الإسرائيلى، وأوقعوا خسائر فادحة فى صفوفه، فى أقل من ساعة، حيث خاضت 62 طائرة مصرية هذه المعركة، ضد 164 طائرة إسرائيلية.

إلا أن الصحيفة الأمريكية أكدت أن أبرز ما يميز المعركة الجوية بين الهند وباكستان، أنها وقعت بين دولتين نوويتين، تمتلكان قدرات عسكرية متقدمة، وسط بيئة سياسية متوترة، وتاريخ طويل من النزاعات الحدودية، وهو ما أثار قلق المجتمع الدولى، حيث دعت الأمم المتحدة إلى «ممارسة أقصى درجات ضبط النفس»، بينما أعربت الولايات المتحدة عن استعدادها للتوسط بين الطرفين، فى حين دعت الصين، الحليف الأقرب لباكستان، إلى «حل سياسى متوازن يراعى مصالح الطرفين ويحفظ استقرار المنطقة»، وفيما تحاول الوساطات الدولية تجنب سيناريو الانزلاق إلى مواجهة شاملة، تبدو فرص التهدئة مرهونة بإرادة سياسية لم تتضح ملامحها بعد، فى ظل تصاعد الخطاب القومى فى «نيودلهى وإسلام أباد»، وغياب أى مؤشر حقيقى على نية خفض التصعيد.

وتتزايد المخاوف الدولية فى ظل «هشاشة الوضع الأمنى» فى كشمير، وهى المنطقة التى تسببت فى اندلاع ثلاث حروب كبرى بين الهند وباكستان منذ الاستقلال عن بريطانيا عام 1947، فكلما تصاعدت التوترات هناك، عاد الحديث عن «خطوط حمراء، وتوازن ردع هش»، قد ينهار فى أى لحظة، إذا ما خرجت إحدى المناوشات عن السيطرة، ولعل ما يزيد الوضع تعقيداً أن الحرب، إن اندلعت، لن تكون تقليدية فقط، بل ستكون محمّلة بمخاطر الأسلحة النووية، ما يجعل أى خطأ فى التقدير كارثياً، وهذا ما دفع عدداً من المؤسسات البحثية، ومنها «معهد ستوكهولم الدولى لأبحاث السلام»، إلى التحذير من أن أى حرب جديدة فى جنوب آسيا، ستتجاوز آثارها حدود القارتين الآسيوية والأوروبية، بسبب ترابط الأسواق، ووجود جاليات كبيرة من جنوب آسيا فى الدول الكبرى.

واختتمت «نيوزويك» التقرير بالتأكيد على أنه وسط هذا المشهد القاتم، تبقى نافذة الحل السياسى مفتوحة، لكنها تضيق يوماً بعد يوم، كما أن التجارب التاريخية أثبتت لدول المنطقة أن الحروب تبدأ فى لحظة، لكن آثارها قد تمتد لعقود، وما لم يتحرك المجتمع الدولى بفاعلية لفرض مسارات تهدئة دائمة، فقد يجد العالم نفسه أمام واحدة من أكثر الأزمات الأمنية اشتعالاً فى القرن الحادى والعشرين.


مواضيع متعلقة