سامح فايز يكتب: قمة بغداد وبداية الطريق للحقيقة

كاتب صحفي

الهروب من المعلومة المضللة مسألة صعبة المنال، لن تمر لحظة إلا ونحن أسرى لملايين المعلومات المضللة التى احتلت منصات التواصل الاجتماعى، ولن ينجو منها أحد، فهى فيروس أشبه بكورونا الذى أجبرنا على البقاء فى منازلنا لشهور، ننتظر الموت فى أى لحظة. قد تظن عزيزى القارئ أنها مبالغة، لكنها الحقيقة التى يغفل عنها بعضنا للأسف.

وأكبر مثال على صحة كلامى هو الهجوم الكبير الذى واجه الدولة المصرية، ممثلة فى الرئيس عبدالفتاح السيسى، وهو هجوم طال الدولة فى السنوات الخمس الأخيرة طعن فى مصداقية مواقفها ومشروعية خطط التطوير التى تقدّمها للنهوض بالدولة، آلاف من الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة اضطرت بعض المخلصين للتشكك فى مواقفهم وإيمانهم بقضية وطنية متمثلة فى معركة الدولة مع حركات الإسلام السياسى المتطرّفة. تلك المعلومات المضللة تكسرت على أعتاب كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسى فى قمة بغداد.

وأود هنا أن أنقل جزءاً منها لأنها حقاً كلمة للتاريخ الإنسانى: «... ولا يخفى على أحد أن القضية الفلسطينية تمر بمرحلة من أشد مراحلها خطورة، وأكثرها دقة.. إذ يتعرّض الشعب الفلسطينى لجرائم ممنهجة وممارسات وحشية، على مدار أكثر من عام ونصف، تهدف إلى طمسه وإبادته، وإنهاء وجوده فى قطاع غزة.. حيث تعرّض القطاع لعملية تدمير واسعة، لجعله غير قابل للحياة، فى محاولة لدفع أهله إلى التهجير، ومغادرته قسراً تحت أهوال الحرب. فلم تُبقِ آلة الحرب الإسرائيلية، حجراً على حجر، ولم ترحم طفلاً أو شيخاً.. واتخذت من التجويع والحرمان من الخدمات الصحية سلاحاً، ومن التدمير نهجاً.. مما أدى إلى نزوح قرابة مليونى فلسطينى داخل القطاع، فى تحدٍّ صارخ لكل القوانين والأعراف الدولية».

يستكمل الرئيس السيسى: «وأكرر هنا، أنه حتى لو نجحت إسرائيل فى إبرام اتفاقيات تطبيع مع جميع الدول العربية، فإن السلام الدائم والعادل والشامل فى الشرق الأوسط، سيظل بعيد المنال، ما لم تقم الدولة الفلسطينية، وفق قرارات الشرعية الدولية».

كلمات أجبرت المعارض قبل المؤيد على الوقوف احتراماً وتقديراً لذلك الرجل، كلمات ثناء قرأناها جميعاً على صفحات شخصيات ونُخب ثقافية وسياسية لم يعهد عنها الحديث بشكل إيجابى عن تحرّكات النظام المصرى فى السنوات الأخيرة، تأثراً بالمعلومات المضللة المنتشرة بكثافة والسائدة بشكل ممنهج على منصات التواصل الاجتماعى، وهو انتشار لا توقف فيه ولا يأس، حتى غابت الحقيقة بين جبال الكذب الذى اتخذه العدو سلاحاً ضد الدولة المصرية، حتى إذا وصلنا جميعاً إلى منعطف خطير وحقيقى لم يفلح الكذب سبيلاً للتغطية على الدور التاريخى الذى قدّمته الدولة المصرية للقضية الفلسطينية.

السؤال المهم فى تلك المرحلة متعلق بحجم المعلومات المضللة التى وقعنا أسرى لها فى السنوات الأخيرة، بعضها لم يُكشف عنه حتى الآن للأسف، ويظن بعض المتابعين أنها حقائق وليست أخباراً كاذبة. وللأسف عندما يقدم تنظيم الإخوان الإرهابى تلك المعلومات للمتلقى يقدّمها بحرفية شديدة تضعها موضع الصدق، ولن يكتشف حقيقتها سوى المدقق أو المتخصّص فى المسألة، أذكر مثلاً عام 2020 عندما دشّن التنظيم الدولى للإخوان «هاشتاج» على منصة «إكس» تحت عنوان «الإعدامات السياسية»، متهماً الدولة المصرية بأنها تُنفذ إعدامات غير قانونية ضد المختلفين معها.

وعند البحث خلف مصدر تلك المعلومة وُجد أنه تقرير حقوقى نشرته منظمة حقوقية مقرها لندن، ثم تلقفته قناة إخوانية مقرها إسطنبول، ثم نشرته صفحات على المنصة من خارج مصر، وبالتالى المتتبع لمسار الخبر سيجد له أكثر من مصدر يبدو ظاهرياً أنهم ثقة، لكن الحقيقة أن المنظمة الحقوقية يملكها مجموعة من الإخوان المقيمين فى لندن، وهكذا المنصات التى نشرت الخبر، وبالرجوع إلى القضية المتهم فيها من وقع عليهم الحكم بالإعدام، نجد أنها خلية إرهابية معروفة باسم «أجناد مصر».

قد يقول قائل إن القضية ملفقة، وإن هؤلاء الشباب ظلموا فى ظل صراع سياسى بين النظام المصرى وجماعة الإخوان الإرهابية. لكن عملية بحث سريعة على مراكز الدراسات التابعة للتنظيم الدولى للإخوان فى أوروبا عُثر خلالها على بحث تناول الحركات المسلحة فى مصر بعد ثورة يونيو 2013، البحث منشور على موقع تابع للإخوان وكتبه أحد عناصر التنظيم، ونُشر على موقع المركز عام 2017 وورد فيه نصاً سرد لجميع العمليات المسلحة التى نفّذها تنظيم «أجناد مصر» وأسماء عناصر التنظيم، وأطلق عليهم البحث لقب المقاومة المسلحة، فالتنظيم الدولى للإخوان لا يرفض استخدام العنف، كل ما هنالك أنهم يرفضون وصف العنف بالإرهاب، ويعتبرون أنها مقاومة مسلحة وتمرد على النظام الحاكم.

يبقى فى النهاية سؤال مهم يحتاج إلى إجابة عاجلة، هل نتلقى المعلومات المضللة ونروّجها لأننا صدّقنا فيها بالفعل ونبحث عن الأفضل لبلدنا، أم أننا نروج تلك المعلومة لمجرد أنها أثبتت صدق ما نعتقد؟ وهل نتلقى تلك المعلومات بصدق، لأننا نسعى من أجل مصلحة ذلك الوطن وسلامة أراضيه، أم أننا نبحث عن أى شىء يُثبت صدق مواقفنا حتى لو كان على حساب الوطن؟ السؤال أمامنا وفى انتظار الإجابة.