معضلة المثقف الفنان والسياسي الحزبي

خالد منتصر

خالد منتصر

كاتب صحفي

هل المثقف المبدع أو الفنان من الممكن أن يمارس السياسة؟، سؤال مطروح دائماً خاصة فى بلاد العالم الثالث، المثقف الحقيقى دائماً على يسار أى نظام، وهو متمرد مزمن على الواقع، لو سكن الموج لمات المحيط، كذلك المثقف لو توقفت موجات تمرده لمات بحر إبداعه، المثقف المتمرد على بديهيات مجتمعه الاجتماعية والثقافية وأيضاً السياسية، ليس جماهيرياً، يفقد الأرضية الشعبية ويخسر الجماهيرية بقدر ما يكسب نفسه، لكن أى حزب يريد الجماهيرية ويبحث عن الأصوات وهذا حقه، لكن المثقف المعارض بالفطرة، المخاصم بحكم الموهبة، المحلق خارج السرب بضغط الخيال، شرارة إبداعه تكره دفء المجموع، لا أقول القطيع، المبدع قنفذ نافر الشوك دائماً، لا تستطيع وضعه داخل مزرعة دواجن، هل مكتوب بهذا الشكل وبشكل قدرى ألا يمارس المثقف المبدع الفنان السياسة؟، لا بالطبع فـ«سارتر» مارس السياسة، برتراند راسل مارس السياسة واعترض وتظاهر، وطه حسين كان حزبياً وتولى الوزارة، وكذلك «العقاد»، لكن هذا يعتمد على تقبل الآخرين لتمرد وثورة هذا المثقف، تعتمد على سعة صدر «ديجول»، والأحزاب الإنجليزية، لنا أن نعرف أن مصطفى النحاس عندما اعترض الملك على اسم طه حسين فى وزارة ما قبل الثورة، قال له «النحاس»: «اشطب أى اسم إلا طه حسين»، فكلما استطعت استيعاب المثقف وخياله المحلق، نجحت فى توليد كل ما هو جديد وبكر وطازج من الأفكار غير التقليدية، وانتقلت عدوى الإبداع للجميع حتى من هم خارج نطاق الفن، ستجد إبداعاً ينمو تكنولوجياً وتعليمياً وفى كل المجالات، ولا بد أن نفهم أن استيعاب المثقف غير تدجينه، لا يجب أن يكون هدفنا هو تحويل المثقف إلى حيوان أليف، أو ترويضه فى السيرك النظامى، هذا التصرف هو مرادف سحق المثقف، انسحاقه، هزيمته الداخلية، إحباطه، اكتئابه، وكلما خسرت مثقفاً فأنت تخسر نقطة فى معركة التحديث ورصيد التحضر، رفع سقف إبداع المثقف هو رفع سقف إبداع المجتمع كله، فالإبداع أجمل عدوى فى الكون، والمثقف إذا اعتبرتموه فيروساً، فهو الفيروس النافع الوحيد، الذى لا يدخل نواتك ليسيطر، ولكنه يدخلها لتتوهج نشاطاً وخيالاً وجمالاً وصدقاً، لا يوجد ما يسمى بحظيرة المثقفين، فهذا مصطلح مهين لأى مثقف، كان هناك عداء شديد للمثقفين وقت الرئيس الراحل أنور السادات، وكان يقال عن مركز الدراسات الاستراتيجية فى الأهرام وقتها «شوية الأفندية الأراذل»!، كان هناك ضيق صدر شديد من اعتراضاتهم، وكانت نتيجة صم الآذان عن أجراس الخطر التى دقوا عليها كثيراً فى دراساتهم عن نمو خطر الإسلام السياسى، السياسة ليست حراماً على المثقف، لكن المظلة التى ستحميه من هجير وقيظ جهنم السياسة هى حرية الرأى.