الذكاء السياسي والذكاء الاصطناعي

سحر الجعارة

سحر الجعارة

كاتب صحفي

حين اندلعت «ثورة الياسمين» فى تونس 2011 اكتشفنا «فجأة وكانت صدمة» أن هناك منصة إلكترونية اسمها «تويتر أو إكس الآن» اندلعت الثورة من خلال تغريدات عليها!.. وأذكر آنذاك أن مجلة «روزاليوسف» نشرت تحقيقاً عن التغريدة «التويتة» وكيف تغرد وكنا مبهورين نحن «رواد فيس بوك»، بعدما دخلنا عالم الإنترنت والشبكة العنكبوتية -على استحياء- قبلها بعدة سنوات.. وجميعكم تذكرون قطع الهواتف والإنترنت خلال ثورة 25 يناير الذى تسبب فى مبيت المتظاهرين والإقامة فى ميدان التحرير.

حتى هذا التوقيت كانت علاقتنا بالعالم الرقمى علاقة سطحية، نعم نحن صناع الميديا، فكنا نحمل الأرشيف الرقمى من مكان لمكان ونستمتع بالاحتفاظ بأعمالنا الورقية ونفخر بها، ونتصور أننا الأجدر بالوجود وأن «الكتاب» أهم من «جوجل» حتى تحدانا «جوجل» وأثبت أنه العالم والطبيب والمهندس ورجل الدين، وأنه حافظ تاريخ الأمة «مرئياً على يوتيوب»، وأن جوجل وحده يملك الحقيقة ويفضح تاريخ أى شخص ينكره وأننا لسنا الأذكى ولا أفضل الأجيال الإنسانية ولا نحتكر العبقرية، فالأطفال الذين وُلدوا خلال الـ14 سنة الأخيرة أى طفل منهم فى الخامسة كفيل بفتح أبلكيشن ترجمة أو معلومات أو ألعاب أو مشتروات (إلخ الموسوعة الرقمية)، ليفضح جهلك المعلوماتى.

وتأكد للبعض أن نسب الذكاء المرتفعة هى من تجيد التعامل مع هذا العالم المدهش، الذى خلق دراسات جديدة فى الإنترنت والاتصالات واستحدث مِهَناً لم تكن موجودة من قبل مثل «البرمجة»، حتى جاء «الذكاء الاصطناعى» ليكمل هذه الثورة التى نتعامل معها بتوجس لكنها تفرض وجودها التقنى والإنسانى والاقتصادى على العالم بأسرة.

وسبق للرئيس «عبدالفتاح السيسى» أن نصح المصريين بتعليم أبنائهم البرمجة بدلاً من دخول كليات نظرية. وقال «السيسى» إن المبرمجين من الممكن أن يتقاضوا 100 ألف دولار شهرياً وهو ما أثار عاصفة من التعليقات على مواقع التواصل، فالبعض اعتقد أن هذا يقلل من شأن الكليات النظرية (التى تخرج منها الأغلبية) رغم أنه يحث على اختيار مجال عمل جديد واعد يفتح أبواب المستقبل لمصر وشبابها (ملحوظة معظم البرامج التى نعمل عليها الآن إن لم تكن كلها ليست من إنتاجنا).

الرئيس يحلم بواقع معاش موجود فى كل دول العالم المتقدم، يسعى لتنمية «الكوادر البشرية» وتوفير أدوات المستقبل حتى لا نتخلف عن البشرية التى تعتمد الآن فعلياً على «الذكاء الاصطناعى».. وفى كلمته الافتتاحية للإصدار الثانى من استراتيجية مصر للذكاء الاصطناعى 2025-2030، أكد الرئيس «السيسى» أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعى هى تحسين جودة حياة البشر وإثراء التجربة الإنسانية، لذلك يأتى بناء الإنسان المصرى كهدف أسمى للدولة المصرية مع ضمان قدرة أبناء مصر على استخدام هذه التكنولوجيا الحديثة لخدمة المجتمع وتحقيق تطلعاتنا نحو المستقبل، مؤكداً أنه سيتم مواصلة الاستثمار فى تطوير المهارات وبناء القدرات وتوفير كوادر مؤهلة من محترفى الذكاء الاصطناعى وفق أعلى المعايير العالمية.

وأعرب الرئيس عن تطلعه أن تحدث هذه التكنولوجيات تحولاً نوعياً فى القطاعات الرئيسية مثل الصحة والتعليم والزراعة بما يضمن تحسين مستوى المعيشة لكل المصريين، مشيراً إلى أنه سيتم العمل على تشكيل أطر وطنية قوية لحوكمة البيانات والاستفادة منها بأمان وفاعلية لدعم الابتكار وتعزيز ريادة الأعمال مما سيمكن من فتح المجال أمام الشركات الناشئة وجذب الاستثمارات لبناء منظومة ذكاء اصطناعى فاعلة.

وشدد الرئيس على أهمية تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعى بشكل مسئول وأخلاقى بما يتوافق مع القيم الإنسانية والمعايير العالمية ليكون عاملاً للخير يحمى حقوق الأفراد ويعزز جهود التنمية المستدامة.

وأشار إلى أهمية هذا الإصدار فى استكمال المسيرة الطموحة نحو بناء مجتمع رقمى يتبنى أحدث التكنولوجيات العالمية.

وأكد الرئيس حرص مصر على المضى قدماً نحو التميز فى صناعة الذكاء الاصطناعى لكى تكون منارة فى هذا المجال فى منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا ولتعزيز دورها كمساهم فاعل فى الساحة الدولية.

ووجّه الرئيس السيسى الحكومة بدراسة إمكانية إدراج الذكاء الاصطناعى كمادة إلزامية فى المناهج الدراسية.. وهو مشروع مكلف وضخم يستهدف خلق مواطن جديد صالح لغزو المستقبل من موقعه.. وأتمنى أن تكون الحكومة -بالفعل- قادرة على تنفيذه.

الرئيس يشير عادة إلى أجمل خانة فى «الغد» لكن البعض يفضل أن يبقى سجيناً لظله!.