سيدة الأرض.. ملحمة من فلسطين «الحلقة الثانية» | «القدس» زهرة المدائن العربية

كتب: محمد علي حسن

سيدة الأرض.. ملحمة من فلسطين «الحلقة الثانية» | «القدس» زهرة المدائن العربية

سيدة الأرض.. ملحمة من فلسطين «الحلقة الثانية» | «القدس» زهرة المدائن العربية

«سألت عن محمد.. فيك وعن يسوع.. يا قدس.. يا مدينة تفوح أنبياء.. يا أقصر الدروب بين الأرض والسماء.. يا قدس.. يا منارة الشرائع.. يا طفلةً جميلةً محروقة الأصابع.. حزينةٌ عيناك، يا مدينة البتول.. يا واحةً ظليلةً مر بها الرسول». بهذه الأبيات نبدأ ثانى حلقات سلسلة «سيدة الأرض».. ملحمة من فلسطين، فمنذ كتابة نزار قبانى هذه الكلمات والمدينة المقدسة لا تزال جريحة، لكن كل حجر فيها صامد، كل بشر على أرضها يقاوم حتى ولو بصرخة حق.. من جد روى لأحفاده تاريخها.. وطفل خرج للدراسة ليجد مدرسته مغلقة بأمر من الاحتلال.. وسيدة وقفت أمام جندى ترمقه بنظرة تحدٍّ قائلة: «هذه أرضى».. ورجل اخترق حصار الأقصى ليصلى صلاة الجمعة أو تحمل المضايقات لحضور القداس فى كنيسة القيامة.. هؤلاء يزداد تمسكهم بالهوية يوماً بعد آخر.. تعنت الاحتلال لا يقابله سوى التمسك بالحق، ورغم كل ما تتعرض له المدينة فإنها لا تزال تنبض بالعروبة، وسط صراع ليس سياسياً فقط، بل حضارى وإنسانى تواجهه عبر روح تسكن فى الوجدان العربى، وحلم مستمر وتاريخ يحارب التزييف، فى القدس، الجميع يمشى فى طريق الآلام، بالشوارع وعلى المعابر، داخل المنازل وفى ساحات المساجد، وأمام صورة العذراء فى الكنائس، فالقدس ليست مدينة كسائر المدن، إنها تلك التى عرج الرسول من صخرة فيها، ومن أرضها بدأ السيد المسيح رسالته بالسلام للعالم.

«بوابة السماء».. عاصمة فلسطين الأبدية «ساحة للأديان السماوية» صامدة فى وجه محاولات الطمس والتهويد

«هنا فى القدس لا صوت يعلو فوق صوت التوتر والترقّب، هنا لا تمضى الأيام بهدوء، ولا تتحرك الساعات دون قلق مقيم، فى كل زاوية من البلدة القديمة، وعلى أبواب المسجد الأقصى، وبين أزقة باب حطة وسلوان والشيخ جراح، ترتسم ملامح صراع طويل على المكان والذاكرة والهوية، فالمدينة التى تحاصر يومياً بالإجراءات اليومية التى نمر بها، تعيش فى صمت أقوى من أى صرخة فى هذا الكون الفسيح، حالة قاتمة يعيشها المقدسيون فى عاصمة الأديان السماوية، التى كانت مدينة للسلام، إلى أن حولها المحتل لساحة صراعات محمومة»، بهذه الكلمات استهل معروف الرفاعى، مستشار محافظ القدس حديثه لـ«الوطن».

مزيج من الحزن والغضب اختلط فى نبرة صوت «الرفاعى» حين وصف المشهد اليومى فى القدس، بقوله: «لن ترى سوى انتشار أمنى مكثف فى محيط البلدة القديمة والمسجد الأقصى، نصب دائم للحواجز، تفتيش متكرّر للمارة، استفزاز للشباب، وارتفاع فى وتيرة الاعتقالات التى باتت تطال الجميع، خصوصاً فئة الشباب، بتهم فضفاضة، مثل التحريض عبر مواقع التواصل الاجتماعى، أو حتى لمجرد رفع العلم الفلسطينى».

ذكر مستشار محافظ القدس أمثلة مريرة لاستهداف الاحتلال، لشباب المدينة المقدّسة، منها أنه فى حى الطور، اعتُقل الفتى المقدسى محمد الطويل، البالغ من العمر 16 عاماً، لأنه شارك فى جنازة شهيد قتله الاحتلال ورفع العلم الفلسطينى، أما فى مخيم شعفاط، فقد فرضت شرطة الاحتلال حظراً غير رسمى للتجمّعات بعد صلاة التراويح خلال رمضان الماضى، بذريعة منع اندلاع مواجهات، لكن الحقيقة أن الهدف هو كتم الصوت المقدسى فى كل تجلياته.

واستكمل «الرفاعى» توصيف الواقع الديموغرافى بالإشارة إلى السياسات الإسرائيلية التى تعمل بشكل ممنهج على تفريغ المدينة من أهلها. وتابع: «هناك تسارع مُقلق فى سحب الهويات المقدسية من المواطنين الفلسطينيين بحجة عدم إثبات مركز الحياة داخل القدس، ومنذ 1967 تم سحب أكثر من 14 ألف هوية من سكان المدينة، ويُعامل المقدسى كمقيم فى مدينته، وليس كمواطن، وهو ما يُشكل انتهاكاً صارخاً لكل القوانين الدولية والإنسانية».

..

مستشار محافظ القدس: الشطر الغربى من المدينة تحول إلى منطقة حديثة مخصّصة لليهود الإسرائيليين فقط.. صمود العائلات المقدسية يرتكز على التلاحم الاجتماعى والدعم القانونى.. والتوثيق وحده لا يكفى فى ظل محاكم إسرائيلية منحازة

وأوضح «الرفاعى» أن القدس الغربية تحولت بالكامل إلى منطقة حديثة مخصّصة لليهود الإسرائيليين فقط، وتضم فى جنباتها مقار مؤسسات الحكومة الإسرائيلية، أما القدس الشرقية، فهى قلب المدينة التاريخى والثقافى والدينى للفلسطينيين.

وأضاف: «هذا التقسيم لم يكن يوماً بريئاً، بل أدّى إلى تهميش واضح للفلسطينيين، فعلى سبيل المثال، لا توجد فى القدس الشرقية أية جامعات حكومية فلسطينية، وتفتقر المدينة إلى مستشفيات متطورة كافية لسكانها العرب، بينما الأحياء الإسرائيلية تنعم بكل شىء، انظروا إلى حى بيت حنينا، الحى الفلسطينى المكتظ، ستجدون أنه يفتقر إلى المساحات العامة والحدائق رغم كثافته السكانية المرتفعة، فى المقابل، أحياء استيطانية مثل «رامات شلومو» مزوّدة بمرافق حديثة كاملة، تشمل المدارس والملاعب ومراكز الرعاية».

ووجّه «الرفاعى» صرخة استغاثة من مشروع «مدينة داوود» الاستيطانى فى حى سلوان، وهو من أخطر ما تواجهه المدينة حالياً، حيث تُهدم منازل الفلسطينيين بزعم أنها غير مرخصة، ثم تُقام على أنقاضها مراكز سياحية توراتية تخدم الرواية الإسرائيلية التوراتية، وتقود هذا المشروع جمعية «إلعاد»، التى تعمل بشكل مكثّف على تكثيف الوجود الاستيطانى عبر شراء العقارات أو الاستيلاء عليها بطرق مشبوهة، أما فى ما يخص الأنفاق، فهناك نفق يمتد من «عين سلوان» جنوب المسجد الأقصى إلى حائط البراق، ويمرّ مباشرة تحت منازل الفلسطينيين، مما أدى إلى تصدّعات خطيرة ووقوع انهيارات. عائلة الرجبى فى وادى حلوة اضطرت إلى إخلاء منزلها مؤقتاً بسبب التشقّقات العميقة التى ظهرت نتيجة الحفريات تحت أساسات البيت.

وقال: «جدار الفصل العنصرى قطع أوصال المدينة، وفصلها عن امتدادها الطبيعى فى الضفة الغربية، وأحياء كفر عقب ومخيم شعفاط أصبحت فعلياً خارج الجدار، ومعزولة إدارياً عن بلدية القدس، دون أن تتبع أى جهة فلسطينية فاعلة، وكفر عقب مثلاً تحولت إلى منطقة مهمّشة، بلا رقابة بلدية أو إشراف صحى، مما أدى إلى فوضى عمرانية رهيبة، فانتشرت الأبراج العشوائية، وارتفعت الكثافة السكانية بشكل خانق، فى ظل غياب البنية التحتية، ورغم هذا الإهمال، فإن السكان ما زالوا ملزمين بدفع الضرائب الإسرائيلية مثل (الأرنونا)، دون أن يحصلوا على أى خدمات مقابلها».

ويواجه بيت المقدس صراعاً آخر فى معركة الهوية حسب حديث «الرفاعى» لأن الصراع على الأسماء ليس شكلياً، بل جزء أصيل من معركة الهوية، وهناك «محاولات الأسرلة» عبر إصدار خرائط تاريخية، وتنظيم حملات شعبية تُعيد استخدام الأسماء الأصلية الفلسطينية للأحياء والشوارع، مثل باب المجلس، وحوش النصرة، وشارع الواد وعلى سبيل المثال شارع «صلاح الدين» مثلاً، تم تغيير اسمه على خرائط الاحتلال إلى «شيفتى يسرائيل»، لكن الفلسطينيين لا يزالون يصرّون على استخدام الاسم الأصلى، ونحن نعمل على إصدار أدلة سياحية وثقافية باللغة العربية لتثبيت هذه التسميات فى الوعى العام، ونوثّق التغييرات بشكل رسمى، بالتعاون مع جهات أكاديمية.

وأضاف «الرفاعى»: «صمود العائلات فى الشيخ جراح وسلوان، يرتكز على التلاحم الاجتماعى والدعم القانونى، ونُدرك جيداً أن التوثيق القانونى لا يكفى فى ظل محاكم إسرائيلية منحازة، فعائلة الكرد فى الشيخ جراح مثلاً، تمتلك وثائق ملكية عثمانية تؤكد حقها فى الأرض والمنزل، ومع ذلك صدرت قرارات إسرائيلية بإخلاء المنزل لصالح جمعيات استيطانية، رفضت الأسرة الإخلاء، وأصبحت رمزاً عالمياً للصمود المقدسى».

وتحدّث «الرفاعى» بغضب عن الاقتحامات اليومية للمسجد الأقصى، قائلاً: «الاقتحامات ممنهجة، وتتم بحراسة مشدّدة من الشرطة الإسرائيلية، حيث تخصّص للمستوطنين أوقاتاً خاصة، تحديداً خلال الأعياد اليهودية، وتقسيم الأقصى بات أمراً واقعاً بدأ بالتقسيم الزمانى، من خلال تخصيص فترات صباحية ومسائية للمقتحمين، بينما يُمنع المسلمون أحياناً من الدخول خلال هذه الفترات، مستشهداً بما حدث فى أبريل 2025، حيث تم إغلاق باب المغاربة بالكامل صباحاً أمام المسلمين، وسُمح فقط للمستوطنين بالدخول، وهذا نموذج صريح وواضح على التقسيم الزمانى للمسجد، ورغم كل التحديات، هناك مبادرات رقمية لحماية وتوثيق الإرث المقدسى، ونتعاون مع مؤسسات مقدسية وأكاديمية لتوثيق كل حجر وزاوية فى البلدة القديمة، بدءاً من النقوش على الجدران، ووصولاً إلى الحكايات الشفوية التى يرويها كبار السن، مثل مشروع «القدس فى الذاكرة»، وهو من أبرز هذه المبادرات، ويهدف إلى حفظ قصص البيوت المهجّرة منذ النكبة، كما يتم تنفيذ عمليات مسح ضوئى ثلاثى الأبعاد للمواقع الأثرية داخل المسجد الأقصى».


مواضيع متعلقة