«حرب الرواية».. حكايات على جدران البلدة القديمة تكشف «أكاذيب الاحتلال»

كتب: ماريان سعيد

  «حرب الرواية».. حكايات على جدران البلدة القديمة تكشف «أكاذيب الاحتلال»

«حرب الرواية».. حكايات على جدران البلدة القديمة تكشف «أكاذيب الاحتلال»

خليل جبران: توثيق تاريخ المدينة المقدسة بأكثر من 2000 فيلم.. وأرتجف خوفاً بعد الانتهاء من كل مهمة: «هل أديت الأمانة؟»

فى قلب الأزقة المتعرجة للقدس القديمة، حيث تنطق الحجارة بألمها، وتئنّ الجدران تحت وطأة الاحتلال، يقف المخرج خليل جبران شاهداً لا يلين، وعدسة لا ترتجف، يسجل ما يُراد له أن يُمحى، ويحفظ ملامح مدينة يحاول الاحتلال أن يُفرغها من روحها وتاريخها، لم يتوقف «جبران» عند استخدام الكاميرا ليوثق فقط، بل ليروى ويحارب ويقاوم، فى زمن تتبدد فيه الحقائق، تحت وطأة الإعلام الموجه، تصبح الصورة الصادقة سلاحاً، وتغدو العدسة مرآة لذاكرة تُغتال كل يوم.

خليل جبران، ابن القدس القديمة، ليس مجرد صانع أفلام، بل هو حارس لذاكرة المدينة المقدسة، صوتها الذى يخترق الصمت الدولى، وصورتها التى تنتصر على محاولات التهويد، بأكثر من ألفى عمل، شيد أرشيفاً بصرياً يعيد للقدس وجهها الحقيقى، ويمنحها حياة تتجاوز أرقام الضحايا وأخبار الاقتحامات، فعلى مدى سنوات، جاب «جبران» المدينة من مآذن مساجدها وأبراج الأجراس فى كنائسها، إلى زوايا أزقتها الضيقة، من أسطح البيوت المهددة بالهدم، إلى أسواقها العتيقة، مدفوعاً بإيمان عميق بأن الصورة قد تكون الأثر الأخير لـ«تاريخ حى يتم اغتياله»، أو «زيتونة» تُقتل واقفة، أو سيدة عجوز تبيع «الزعتر» عند «باب العمود»، ثم تختفى بين أيدى شرطة الاحتلال.

«الكاميرا» فى يد خليل جبران ليست أداة تصوير، بل فعل مقاومة، تقف جنباً إلى جنب مع الحجر، والقصيدة، ورسائل الأسرى المهربة من زنازين «المسكوبية»، إنها شهادة حية على أن القدس، رغم كل شىء، ما زالت تنبض بالحياة، وترفض أن تُروى حكاياتها بلسان غير أهلها.

تحدث «جبران» عن بداية وعيه الوطنى والسياسى، قائلاً: «الإنسان الفلسطينى يولد بوعى، من الظلم يولد الوعى، إذ إن الوجود تحت الاحتلال يومياً يجبرنا على أن نسأل، على أن نبحث، على أن نقرأ التاريخ، على أن نحب مدينتنا وندافع عنها، هذا ما حصل معى، لم يكن عندنا معاهد أو جامعات لتعليم الإعلام، لكن التجربة والشوارع والحجارة، علمتنا كيف نوثق»، وتابع: «بدأت أبحث فى ملفات مهمة، مثل تهويد الأماكن، وأسباب تسريب العقارات، وأسماء المستوطنات، ودور الجمعيات التلمودية، وتغيير ملامح المدينة، وطرحت هذه التساؤلات فى تحقيقات وثائقية كثيرة».

«نحمى الحكاية بالتصوير»، هكذا يعتبر «جبران» أن عمله فى هذا المجال بدأ كرد فعل على إحساسه العميق بالمسئولية، وأنه شاهد بعينيه حجم الظلم الواقع على الفلسطينيين فى المدينة المقدسة، قائلاً: «ما يتعرض له الفلسطينيون فى القدس لا يمكن وصفه بالكلمات، حجم الظلم لا يوصف، كانت هناك مسئولية أن أكشف للعالم العربى والإسلامى تحديداً، ماذا يجرى فى المدينة المقدسة، أنقل عبر الكاميرا كيف تهدم البيوت، كيف يضرب الأطفال، كيف يعتقل الشبان، كيف تقف المقدسيات بشجاعة على أبواب المسجد الأقصى، كل مشهد وثقته كان أمانة ثقيلة، وكنت أرتجف خوفاً بعد كل مهمة تصوير: هل أديت الرسالة؟، هل نقلت الألم كما يجب؟».

رغم إقامته بين رام الله والقدس، لم تغب المدينة المقدسة، بشوارعها وأزقتها وجدرانها القديمة، عن عدسة «جبران» يوماً، وقال إنه تمكن من إنتاج أكثر من 2000 عمل مرئى تحكى تاريخ وتراث مدينة القدس، وأضاف أنه على الرغم مما تبدو عليه الأمور بأنه يوثق تاريخ القدس، لكنه فى حقيقة الأمر يشعر وكأن «القدس هى التى وثقته»، وأوضح قائلاً: «حين تعيش فى مدينة عامرة بالتاريخ، فالتفاصيل فيها لا تُختصر، فكل ما صنعت هو فقط عبور سريع لم يوفِها حقها، كل حجر فى القدس يحكى حكاية، كل زاوية فيها تسرد تاريخاً، هى مدينة لا تموت، حتى عندما تُحاصر أو تُمنع أو تُغلق، تبقى حاضرة فينا».

ورغم جهوده الحثيثة فى توثيق تاريخ القدس، قال «جبران» إن «القدس وثَّقتنى بكل ما فى الكلمة من معنى»، لأن تفاصيل القدس كبيرة، إذ إن تفاصيل القدس فيها النواحى الدينية والتاريخية والثقافية والمعمارية، وأضاف: «هل أنا أوثق القدس؟، لا، القدس وثقتنى، وأنا أخذت من هذا التوثيق، وعملت منه أعمالاً نشرتها للعالم، فحين أريد الحديث عن القدس، أعجز عن وصفها، القدس تجعلك تشعر بانتمائك إلى هذه الأرض، والانتماء لهذه الجذور»، وتابع بقوله: «فى نهاية كل مهمة، أشعر بخوف شديد يجعلنى أرتجف، ولا أجد على لسانى سوى سؤال يتردد دائماً: هل وثقت صح؟، هل أديت الأمانة صح؟، هل أديت الرسالة؟»، مؤكداً أن موضوع التوثيق فى القدس «خطير جداً»، وخصوصاً مع تداخل الأكاذيب الإسرائيلية، أو ما يُعرف بـ«الإسرائيليات»، وكل محاولات تزوير التاريخ، وتزوير كل شىء فى القدس.

وتابع «جبران» حديثه بالقول إن من أكثر محطات حياته تأثيراً، عمله فى توثيق جنازات الشهداء المقدسيين، التى كانت تتحول إلى مسيرات غضب، وتوثيق المداهمات الليلية، التى تطال الأطفال والنساء، مشيراً إلى أنه فى إحدى الليالى، اعتدى عليه جندى إسرائيلى بالضرب، بينما كان يقوم بتوثيق اعتقال طفل فى الثالثة عشرة من عمره، لكنه لم يُسقط الكاميرا، بل واصل التصوير حتى النهاية»، واستطرد فى حديثه عن هذه الواقعة قائلاً: «لقد أصاب جسدى، لكن عينى يجب أن تبقى مفتوحة»، وشدد على أنه على يقين بأن «المعركة على القدس هى معركة رواية»، وبعد تنهيدة طويلة قال: «يريدون أن يصورونا كإرهابيين، أو كغرباء عن المكان، وأنا بالكاميرا أقول: نحن الأصل، نحن الحائط، نحن مفاتيح البيوت».

وعن أخطر ما التقطته كاميرته قال: «كل المواقف تصدمك فى القدس، كل المواقف خطرة، فمثلاً حين يعتدون على سيدة محجبة، يسحبون عنها الحجاب، ويطرحونها أرضاً ويضربونها، فهذا أمر صادم، وحين يعتقون شيخاً أو طفلاً أو حتى شاباً، إهانة وضرب وتكسير، كلها مشاهد خطرة»، وتابع: «المشهد الأكثر قسوة هو أن يهدم الإنسان بيته بنفسه، بناء على قانون اسمه (الهدم الذاتى)، تفرض من خلاله حكومة الاحتلال أن يهدم الإنسان بيته بيده، وإلا تقوم سلطات الاحتلال بهدم البيت وفرض غرامة مالية عليه، تتراوح بين 70 و90 ألف دولار، فى ظل عدم استخراج تصاريح بناء، وشرح «جبران» مدى صعوبة المشهد قائلاً: «أتخيل أن الطفل المقدسى لا يفهم هذه التفاصيل، فالطفل الصغير يعتقد أن والده هو المسئول عنه، فكيف يمكنه أن يهدم غرفته وألعابه، ويحطم محتوياتها».

وتابع قائلاً: «فى القدس كل المواقف، حتى الصغيرة منها، باتت مؤلمة، بكاء النساء، وصراخ الأطفال، وقهر الرجال، ففى القدس هدم البيوت يمارس بلا حجة، والاستيلاء عليها يكون بلا سابق إنذار، فجأة فى الخامسة فجراً يأتى القرار التعسفى، فلا يسمح لهم حتى بأخذ ملابسهم».

وفى الميدان تتعاظم التفاصيل، لتتحول الكاميرا إلى سلاح مثل «بندقية»، يدرك الاحتلال خطرها جيداً، ويعمل على محاربتها بكل ما أوتى من قوة، وروى «جبران» تفاصيل مرعبة من الواقع الميدانى، منها: «نصور فى الظل، فى العقبات، فى الأزقة، فى حى الخالدية، مثلاً، هناك عائلة فلسطينية واحدة محاصرة بالمستوطنين، نغامر بالتصوير، لأن الاحتلال لا يريد للصورة أن تخرج، ولكننا بفضل الله، رغم الضغوط والاعتقالات والإبعاد، نجحنا.


مواضيع متعلقة