لغة الجسد في حديث النبي

تتعدد الدراسات حول الحديث النبوى، بين تلك التقليدية التى تدور فى ركاب ما راكمه القدماء، ولا تضيف كثيراً إليه، بل تعيده وتكرره وتشرح بعض جوانبه، وتبدو وكأنها مجرد حاشية على متن، وبين هذه التى تسعى لتوظيف مناهج العلم المعاصر واقتراباته وأدواته فى تحليل النص النبوى الذى حوته كتب الأحاديث المتداولة، لا سيما ما جاء فى كتابى «البخارى» و«مسلم».

ابتداء فقد بات من الضرورى استخدام المناهج الحديثة للعلوم الإنسانية فى تبيان وتفسير وتأويل وتمحيص، بل وتفكيك ونقد، النصوص الدينية، التى كانت ولا تزال تؤثر واسعاً وعميقاً فى تصورات وتدابير وخواطر الناس، سواء من باب القداسة، أو من زاوية الاعتقاد الجازم فى صلاحيتها المطلقة، التى تتجاوز ظروف وملابسات الأمكنة والأزمنة، وتنجح عند كثيرين فى تكوين إطار تفسيرى، ونموذج إرشادى، وتصور اعتقادى، لا يبلى ولا يتبدل، ويصعد ليكون الأنجع عند هؤلاء، دون تردد أو تمهل، سواء عند منبع النص أو مكوناته والتأويلات والتفسيرات التى جرت له، ولا تزال تشكل الجزء الأكبر من زوايا رؤيته، ومسارات التعامل معه، اعتقاداً واستعمالاً وتمثلاً ونفعاً.

وإذا كان الأولون قد تعاملوا مع النص الدينى الإسلامى مثلاً، سواء القرآن الكريم أو الحديث النبوى، على قدر ما أسعفتهم الاقترابات والمناهج والنظريات العلمية التى كانت سائدة ومتمكنة فى زمانهم، فإن من حق أهل زماننا أن يستعملوا ما توصلوا إليه من مناهج حديثة، غير مترددين ولا متهيبين، بل عليهم أن يدركوا أن الاكتفاء بما جادت به قرائح القدماء، واعتبار هذا غاية المراد، هو إساءة للنص وللقدامى أنفسهم، وقبلهم للمعاصرين الذين يتمسكون بالنصوص، بحروفها أو بتأويلاتها، وعدم استجابة لما يقتضيه العقل والمصلحة.

ولا يمكن التذرع هنا بأن ما نطبقه على النصوص البشرية لا يصلح تطبيقه على النصوص الإلهية وما نُسب إلى الرسل والأنبياء من أقوال، فهذه النصوص نفسها تطالبنا بأن نعقلها ونتفكر فيها ونتدبرها، ولا يمكن أن يتم التفكير والتدبر هذا إلا بوسائل ووسائط منضبطة ودقيقة، لا يجود بها إلا المناهج العلمية.

بهذه الرؤية استقبلتُ البحث الذى أعده الباحث المصرى الدكتور محمد عبدالرحمن عطا الله، وهو أستاذ مشارك بجامعة الطائف فى المملكة العربية السعودية، تحت عنوان «حركة اللغة غير المنطوقة فى الحديث النبوى»، والذى أصدرته «دار الآداب» بالقاهرة فى كتيب من القطع المتوسط يقارب المائة صفحة. وهذا البحث يجاور العديد من الأبحاث التى تناولت المسألة نفسها، ومنها أطروحة الماجستير التى تقدَّم بها محمد شريف الخطيب للجامعة الأردنية عام 2006 بعنوان: «لغة الجسم فى السنة النبوية: دراسة موضوعية»، وهناك أطروحة ماجستير أخرى لإسماعيل صالح الحسن المصرى فى جامعة دمشق بعنوان «وظائف لغة الجسد الإبلاغية فى الحديث النبوى الشريف.. دراسة سيميائية»، علاوة على دراسة قصيرة لشوقى المقرى، وهو محاضر بكلية الآداب بجامعة محمد الأول فى المغرب، بعنوان «لغة الجسد فى الخطاب النبوى الشريف: مقاربة سيكولوجية»، ودراسة سليمان السويد «لغة الجسد فى التعليم النبوى»، ودراسة مهدى عرار «التواصل غير اللفظى فى الحديث النبوى الشريف.. دراسة فى لغة الجسد» والتى صدرت ضمن حوليات كلية الآداب بالكويت. وهناك من تناول الموضوع نفسه لكن طبَّقه على القرآن، مثل دراسة عبدالقادر مغدير «لغة الجسد فى القرآن الكريم».

واستعراض عناوين الدراسات السابقة يبين أنها توزعت على المداخل السيميائية والنفسية واللغوية. والمدخل الأخير كان هو ما مالت إليه دراسة د. محمد عطا الله، التى نحن بصددها هنا، إذ قسمها إلى أربعة فصول تناولت اللغة غير المنطوقة فى الحديث النبوى من حيث دلالتها وسياق حالها ووظائفها وخصائصها، ورأى أن اللغة غير المنطوقة فى الأحاديث تؤدى عدة وظائف، مثل التوضيح والتصوير والوصف والتنظيم والتعليم وإضفاء الطابع الجمالى، ولها عدة خصائص، مثل الاستقلالية والصدق ومساعدة اللغة المنطوقة وحسن التعبير عن المواقف العاطفية.

وعرضت الدراسة عدة أحاديث استعمل فيها الرسول (صلى الله عليه وسلم) أجزاء من جسده، كما بيَّن رواة الأحاديث، سواء كان هذا الاستعمال فى شكل إشارات من يديه، أو أصابعه، أو تعبيرات من وجهه، أو عينيه، وبيَّنت كيف كانت اللغة الجسدية بليغة فى التعبير، واستعيض بها عن أقوال كثيرة، وفتحت باباً وسيعاً أمام التأويل والتفسير، وجاء السياق ليوضحها، ويضيف إليها.

وقد تمكن د. عطا الله، الذى له مؤلفات مهمة مثل: «رسائل القاضى الفاضل.. دراسة تحليلية» و«التشكيل الموسيقى وأثره فى إبداع الدلالة.. ميمية المتنبى نموذجاً» و«رواية فخاخ الرائحة المحيميد.. دراسة سيمائية»، من أن يضيف بدراسته تلك عن اللغة الجسدية للرسول، والتى تُعد جزءاً أساسياً من الحديث النبوى، ولا ينقص منه فى دور هذا ندرة وجوده قياساً إلى ما نُسب من أقوال لفظية إلى الرسول الكريم حملتها مختلف كتب الأحاديث.

إن استعمال المناهج العلمية الحديثة والمعاصرة فى دراسة الحديث النبوى، نصاً وخطاباً، سيفتح أبواباً واسعة للتجديد الفقهى والدينى، ومن المهم أن تنطلق هذه الدراسات بلا حدود أو قيود، غير خاضعة إلا لسلطان العلم ومقتضياته، فالأولون الذين يُنظر إليهم بإكبار استعملوا ما فى زمانهم من إمكانات للتفكير والبحث العلمى، وليس هناك ما يمنع المحدثين والمعاصرين من أن يستعملوا مناهج هذا الزمان التى تطورت كثيراً، وبات بوسعها أن تفتح آفاقاً جديدة، وتطأ أرضاً غير مأهولة حول ما ورد فى الأحاديث النبوية، بل وفى القرآن الكريم ذاته.