رفعت رشاد يكتب: قوة غزة الناعمة في مواجهة بطش القوة الصهيونية

كتب: عمرو هلال

رفعت رشاد يكتب: قوة غزة الناعمة في مواجهة بطش القوة الصهيونية

رفعت رشاد يكتب: قوة غزة الناعمة في مواجهة بطش القوة الصهيونية

القوة أنواع؛ صلبة: عسكرية واقتصادية، ناعمة: ثقافة ودبلوماسية وغيرها، وذكية: تجمع بين القوتين لتحقق في النهاية مصالح الدولة. فهل يمكن للقوة الناعمة التي تتعامل بالثقافة والدبلوماسية والفن أن تهزم القوة العسكرية؟ الإجابة نعمـ إذا ما أحسن استخدامها، وقد حدث ذلك بالفعل وهزمت فيتنام الدولة الصغيرة التي سحقتها أمريكا أعتى الدول في ذلك الوقت بأشرس الأسلحة وأكثرها فتكا، هزمت فيتنام أمريكا وأجبرتها على الرحيل من الوطن الفيتنامي رغم القوة الجبارة التي تملكها أمريك. فهل نرى ذلك يتم في غزة؟ نامل في ذلك، وهذا لن يتم إلا من خلال تحرك الرأي العام العالمي وإجبار الصهاينة على الرحيل عن غزة، ومن خلال حملات للقوة الناعمة الدبلوماسية تقوم بها الدول العربية في المحافل الدولية والضغط على القوى الكبرى لإنقاذ الشعب الفلسطيني.

إن غزة تبقى جرحا نازفا لا يندمل يراه العالم لكنه لا يتألم له ، كصرخة تعاند الصمت، وأيقونة للبطولة والخذلان معًا. فمنذ شهور طويلة، تقبع غزة تحت نيران البطش الإسرائيلي، في ظل حصار خانق، ودَمار ممنهج، ومعاناة لا تجد لها صدى إلا في قلوب أصحاب الضمائر الحرة، بينما يصمّ العالم الرسمي أذنيه عن أنينها المتصاعد.

رغم ما آلت إليه الأوضاع في القطاع من دمار لا يُطاق وجوع يفتك بالبطون، لم تفقد غزة قدرتها على التأثير. بل إنها، وبكل شجاعة وثبات، راحت تنسج خيوط قوتها الناعمة من دماء شهدائها، من صور الأمهات الثكالى، من عيون الأطفال المفزوعين، ومن أصوات المؤذنين المبحوحة تحت القصف، فحولت وجعها إلى أداة ضغط تُحرك الضمير العالمي وتُحرج كبريات العواصم التي ترفع شعار الحرية بينما تصمت عن إبادة شعب أعزل.

شهدت مدن العالم من جديد موجة من التظاهرات الحاشدة، خرج فيها الناس يحملون العلم الفلسطيني، ويهتفون من أجل العدالة، مطالبين بمحاسبة إسرائيل على جرائمها، ومنتقدين الدعم الأمريكي الأعمى لتلك القوة الغاشمة. لم تكن تلك التظاهرات عملاً عابراً، بل صورة من صور القوة الناعمة الفلسطينية التي تتسلل إلى القلوب والعقول، فتوقظ ضميرًا، وتكسر صمتًا، وتدفع صحيفة هنا أو مسئولًا هناك لإعادة التفكير في مواقفه.

القوة الصلبة، كما يجسدها الاحتلال الإسرائيلي، هي قوة السلاح، والدبابة، والطائرات، والحصار. إنها قوة تقتل وتُفني، لكنها لا تُقنع. أما القوة الناعمة، فهي تلك التي تنبثق من رواية المظلوم، ومن عدالة القضية، ومن توثيق المعاناة بالصورة والكلمة واللحن والصرخة. هي التي تجعل العالم يتعاطف، ويثور، ويضغط، ويغير. وهذا ما نجحت فيه غزة بامتياز.

إنه المشهد ذاته الذي رأيناه في فيتنام إبان الحرب الأمريكية. فبينما كانت واشنطن ترسل الطائرات وتقصف وتحتل، كان الشعب الفيتنامي يستنهض تعاطف العالم، ويُحرّك طلاب الجامعات في باريس وواشنطن وبرلين، حتى تحول الرأي العام إلى موجة جارفة أجبرت أمريكا على التراجع، وجلست تفاوض من كانت تعتبرهم "إرهابيين". فهل يتكرر الدرس نفسه مع غزة؟ وهل تنهزم إسرائيل أخيرًا لا بفعل السلاح، بل تحت ضغط القوة الناعمة؟

ما تملكه غزة اليوم من قوة ناعمة لا يستهان به: الإعلام الجديد: فصورة واحدة من قلب الحدث، تُلتقط بهاتف جوال، قد تحرك ملايين البشر، وتكسر سردية الاحتلال. الفن والموسيقى : الأغاني والقصائد الفلسطينية باتت تلهب مشاعر التضامن في شوارع أوروبا وأمريكا اللاتينية. التعليم والوعي السياسي : فقد أصبح الجيل الفلسطيني أكثر وعيًا بوسائل التعبئة والتأثير، يُخاطب العالم بلغته. الشتات الفلسطيني : إذ يمثل الفلسطينيون المنتشرون في العالم صوتًا إضافيًا لقضيتهم، يعملون على تحويل المأساة إلى رأي عام عالمي. المنظمات الحقوقية : وهي التي ترصد وتوثق وتدفع بالملفات إلى محاكم العالم، في لاهاي وجنيف وغيرها.

قد لا يُهزم الاحتلال الإسرائيلي اليوم أو غدًا، لكن التاريخ علّمنا أن القوة العسكرية وحدها لا تحسم القضايا العادلة. القوة الناعمة لا تُحدث الانتصار بضربة واحدة، بل تُنضج الوعي، وتُهزّ أركان الكذبة، وتدفع الشعوب الحرة للضغط على حكوماتها، حتى تتغير السياسات وتبدأ الحلول الجذرية.

ألم تُجبر حكومة جنوب أفريقيا سابقا على إسقاط " الأبارتهايد " بالضغط الشعبي الدولي؟ ألم تُفرض عقوبات وعُزلت سياسات الظلم تدريجيًا حتى سقطت؟ ألم يسقط جدار برلين بعد عقود من النضال والصمود؟ فكيف لا تكون غزة، وهي أعظم رموز الكرامة والصبر، قادرة على فرض معادلتها بدمها وصوتها وروحها؟!

إن المظاهرات الأخيرة التي طالت حتى شوارع واشنطن ونيويورك، والتي نادت بوضع حد للدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل، تؤكد أن الرأي العام الأمريكي نفسه بدأ يتململ. طلاب الجامعات الذين نصبوا خيام الاعتصام دعمًا لغزة هم أنفسهم قادة المستقبل، ورجال السياسات القادمة. وهذه تحولات لا تحدث في الفراغ، بل تصنعها قوة ناعمة لا يمكن قصفها أو محاصرتها.

قد لا تكون غزة قادرة على قهر الآلة العسكرية الإسرائيلية، لكنها قادرة على إرباكها. قد لا تمتلك قنابل ذكية، لكنها تملك كلمات دامعة توجع الضمير. قد لا تسقط الطائرات، لكنها تُسقط الأقنعة. ومن رحم المعاناة يولد التغيير. فكما انهزمت أمريكا في فيتنام تحت ضغط الضمير الإنساني، فستُجبر إسرائيل يومًا على الانصياع لصوت العدل الذي تصنعه غزة الآن، ليس بالرصاص، بل بالحق.