65 عاما على تنظيم الصحافة

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

في 24 مايو 1960 أصدر الرئيس جمال عبد الناصر قرارا بتنظيم الصحافة، ما أطلق عليه تأميم الصحافة. قال البعض في تسطيح مخل عن قرار عبد الناصر إنه أمم الصحافة بعد أن نشرت جريدة واسعة الانتشار المانشيت الرئيسي لها كالتالي: في السطر الأعلى الرفيع: مصرع السفاح وفي سطر المانشيت الأحمر الكبير: عبد الناصر في باكستان. جاء العنوان وكأنه يقول: مصرع السفاح عبد الناصر في باكستان.

لكن هذا القول مغرض، والحقيقة غير ذلك، وهذا ما ذكره إحسان عبد القدوس وما ذكره محمد حسنين هيكل. قال إحسان في تصريحات لمجلة آخر ساعة في الخمسينات من القرن الماضي في صيغة مذكرات: " بعدما ماتت أمي، خشيت على مصير المجلة – روز اليوسف – كانت ظروفها المالية تؤرقني، وتساءلت: لماذا لا تؤمم الحكومة الصحافة بعدما أممنا كل شئ تقريبا؟ وكتبت مقالا تضمن هذا المعنى. بعدها اتصل بي عبد القادر حاتم وزير الإرشاد القومي – الإعلام – وقال لي: الرئيس عبد الناصر أخذ بما جاء في مقالك وسيصدر قانون تنظيم الصحافة، وسيتم تعيينك رئيسا لمجلس إدارة روز اليوسف. وكنت الوحيد الذي عين من أصحاب الصحف التي خضعت للتأميم، وأعتقد أن روز اليوسف استفادت من التأميم ولولا ذلك لكانت أفلست.

أما محمد حسنين هيكل فيذكر في كتابه "بين الصحافة والسياسة" ما دار بينه وبين عبد الناصر في شأن تنظيم الصحافة. قال الرئيس لهيكل "إننا مقبلون على تحولات اجتماعية كبيرة، بدأت بتأميم البنك الأهلي وبنك مصر، وإذا أردنا تنفيذ خطة حقيقية للتنمية وإجراء تحولات عميقة في المجتمع، فلا بديل عن سيطرة المجتمع على وسائل المال والإنتاج، ولهذا لا يمكنني أن أترك لمجموعة من الأفراد أن يسيطروا على الصحافة بينما هم خائفون، فالثورة قوية وأنا لا أثق في خائف خصوصا إذا تغيرت الظروف، والموضوع لا يحتاج إلى مجرد مصفقين، فالمطلوب شيء آخر غير التصفيق".

بعد 65 عامًا من تأميم الصحافة في مصر، ما المكاسب وما الخسائر التي حدثت للصحافة؟ كان قرار الرئيس الراحل جمال عبد الناصر مصيريًا غيّر وجه الصحافة المصرية، إذ أعلن تأميم الصحف الكبرى وتحويلها إلى ملكية عامة تخضع لإشراف الدولة عبر الاتحاد الاشتراكي العربي. كان القرار من أبرز معالم الدولة الناصرية التي هدفت إلى إحكام السيطرة على مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومن ضمنها الإعلام. واليوم، بعد مرور 65 عامًا على ذلك القرار الجريء، يثور التساؤل: هل تقدّمت الصحافة المصرية منذ تأميمها؟ أم تراجعت؟ هل حصدت المكاسب أم تكبدت الخسائر؟ والأهم، هل يمكن أن تستعيد الصحافة مجدها إذا أعيدت إلى القطاع الخاص؟.

قبل عام 1960، كانت الصحافة المصرية تعيش نوعا من التنوع والتعدد والحرية النسبية، وإن لم تكن تخلو من الضغوط السياسية والاقتصادية. كانت هناك صحف خاصة كبرى مثل "الأهرام" و"الأخبار" و"المصري" و"روز اليوسف"، يمتلكها رجال أعمال ومثقفون، ولكل منها خطها السياسي المستقل. لكن بعد ثورة يوليو، كان لابد من توحيد الرؤى والصف ، إلى أن صدر قرار التأميم الذي أنهى استقلال المؤسسات الصحفية الكبرى، وربطها بالدولة.

في أعقاب التأميم، دخلت الصحافة المصرية عصرًا جديدًا، باتت تنطق باسم الدولة وتروج لسياساتها. وقد شهدت تلك الفترة بعض الإيجابيات، مثل تحسين أوضاع الصحفيين اجتماعيًا، وإتاحة التمويل الضخم للصحف، وتوحيد الخطاب القومي، وخاصة أثناء معارك التحرر الوطني ومواجهة الاستعمار.

لكن في المقابل، فقدت الصحافة التعدد، وغاب النقد الحقيقي، وباتت الصحف مع مرور الوقت تعاني من الترهل والبيروقراطية، وتراجعت معدلات التوزيع، وتكلّست الممارسات التحريرية. وبعد رحيل ناصر استمرت الصحافة على نفس الحال في عصري السادات ومبارك مع بعض التغيير حيث ظهرت الصحف الحزبية والخاصة.

مع تراجع توزيع الصحف لأسباب عديدة، وتراكم ديونها، وتقلص تأثيرها الجماهيري، بدأ البعض يطرح فكرة خصخصة الصحف، باعتبار ذلك الحل لإنقاذها. وهم يستندون في رؤاهم إلى تجارب ناجحة في دول أخرى، حيث تزدهر الصحف الخاصة بفضل التمويل والمنافسة المهنية والابتكار التحريري.

غير أن خصخصة الصحافة في مصر أمرا غير مناسب في الوقت الحالي، فالدولة في حاجة إلى الصحافة قوة تقود الرأي العام وتحمي الجبهة الداخلية في ظل شراسة الإعلام الخارجي، فالخطر ليس في من يملك الصحيفة فقط، بل في من يتحكم في محتواها التحريري.

لا شك أن الصحافة المصرية كانت يومًا ما من أقوى أدوات "القوة الناعمة" في العالم العربي. كانت مقالاتها تُقرأ في بغداد والخرطوم وتونس والرياض، وكان كتّابها نجوماً جماهيريين. لكن هذا الدور تراجع لأسباب ترتبط بتطور الوسائط الإعلامية والتطور الكبير في المحتوى وهو ما تعاني منه الصحافة المصرية.

كان تأميم الصحافة في مصر يحمل نوايا قومية وعدالة اجتماعية آنذاك، وبعد 65 عامًا، تحتاج الصحافة المصرية إلى مراجعة شاملة لوضعها.