"بين الكتب والإنترنت"
بينى وبين مكتبتى علاقة وجود، فمن دونها ما كنت هذا الذى يراه الناس وأرتضيه نوعاً ما، وربما ظللت فلاحاً أجيراً أو عامل تراحيل يلتقط رزقه من فوق خرائط الغربة، أو موظفاً بائساً يدفن رأسه بين أكداس الملفات المتربة، وهو يعانى من اغتراب وظيفى، مثلما أوضحت فى مطلع سيرتى الذاتية التى صدرت بعنوان «مكان وسط الزحام».
بين الكتب ما أغرق فيه بإمعان، وألتهمه فى نهم، ومنها ما أتصفحه سريعاً، وبعضها أختار منه فصلاً أو أكثر فأركز عليها، لاسيما إن كنت بصدد قراءة وظيفية لدراسة أو بحث أو كتاب فكرى أو علمى، وهناك كتب ما إن أقرأ مقدمتها، وأطالع محتوياتها، حتى أدرك أنها لن تضيف إلىَّ شيئاً، فأتعامل معها وفق الحكمة التى تقول: «إنك لست مضطراً لأكل البيضة الفاسدة كاملة حتى تدرك أنها ليست طعاماً صالحاً».
وهناك كتب أعيد قراءتها بالطبع، يحضرنى منها، وحسبما تسعفنى ذاكرتى فى هذا المقام: «الأيام» لطه حسين، و«ملحمة الحرافيش» و«أصداء السيرة الذاتية» لنجيب محفوظ، و«الرسالة القشيرية» للإمام القشيرى، و«طوق الحمامة» لابن حزم، و«ديوان المتنبى» و«ديوان جلال الدين الرومى» و«نهج البلاغة» المنسوب للإمام على بن أبى طالب، و«أرخص ليالى» ليوسف إدريس، و«أيام الإنسان السبعة» لعبدالحكيم قاسم، وبعض قصص محمد المخزنجى، و«الغرب والعالم: تاريخ الحضارة من خلال موضوعات» للمؤرخ الأمريكى كافين رايلى، ورباعية علاء الديب، و«علم الاجتماع» لأنتونى جدنز، والسيرتان الذاتيتان لغاندى ومانديلا، وكتاب «هكذا تحدّث زرادشت» لنيتشه، و«الأبطال» لتوماس كارليل، و«السهول تحترق» لخوان رولفو، وبعض كتب خورخى بورخيس، ورباعيات صلاح جاهين، وديوان ابن عروس، وبعض دواوين عبدالرحمن الأبنودى وصلاح عبدالصبور ومحمود درويش، والأعمال الكاملة لمحمد الماغوط، و«أشبه بتاريخ العالم» لإدواردو جوليانو، و«الإخوة كرامازوف» لديستوفيسكى، و«خافية قمر» لمحمد ناجى.
وحين يسألنى أىٌّ من الشباب عما يقرأ، أنصحه بقراءة أى كتاب لا يزيد من معلوماته إنما ذلك الذى يوسّع مداركه ويمنحه نهجاً فى التفكير، ويثرى خياله، ومن أمثلة هذه الكتب: «التفكير العلمى» لفؤاد زكريا، و«الإنسان بين المظهر والجوهر» لإريك فروم، و«التفكير المستقيم والتفكير المعوج» لروبرت ثاولس، و«مقال فى المنهج» لديكارت، و«لعبة الكتابة» لمصطفى ناصف، و«الآداب السلطانية» لعبدالعزيز العلام، و«أثينا السوداء» لمارتن برنار، و«ألف ليلة وليلة»، و«السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث» للشيخ محمد الغزالى، و«الإسلام السياسى» لمحمد سعيد العشماوى، و«الإخوة الأعداء» لكزنتزاكيس، و«أنا كارنينا» لتولوستوى، و«الذرة الرفيعة الحمراء» لمو يان، و«العمى» لساراماجو، و«شخصية مصر» لجمال حمدان، فى نسختها المختصرة، و«أعداء الحوار» لمايكل أنجلو ياكوبوتشى، و«السيرة الهلالية» بأشعار جابر أبوحسين ورواية عبدالرحمن الأبنودى، و«الجيبتانا» للسمنودى، كما أنصحه بأن يحاول الاطلاع على موسوعة سليم حسن عن مصر القديمة، والجزء الأول على الأقل من موسوعة عبدالوهاب المسيرى «اليهود واليهودية والصهيونية».
وحين يسألنى أحد عن الاختيار بين المكتبة والإنترنت، أقول له: من دون جدل ولا طول تفكير، أختار المكتبة، فهى الصوت، وشبكة الإنترنت هى الصدى.
وقد حاولت طوال الوقت أن أمارس نوعاً من «الريجيم الإلكترونى» إن صح التعبير، إذ أحرص على الاحتفاظ بهاتف محمول بسيط من ماركة «نوكيا»، أضع عليه خط الاتصال بى، فإن خرجت من بيتى إلى أى مكان، يكون معى، وبصحبته أوراق وقلم وكتاب، تاركاً «الهاتف الذكى» فى شقتى، لا أتصفّحه إلا عبر الإنترنت المنزلى.
لجأت إلى هذا حتى لا أقع فى إدمان «الإنترنت»، خصوصاً مواقع التواصل الاجتماعى، لاسيما أننى رأيت كيف يأكل الكثير من أوقات الناس، وبينهم باحثون وأدباء، حين رافقتهم فى رحلات، أو شاركتهم فى ندوات، أو جاورتهم فى عمل، وجدت عيونهم ممدودة طوال الوقت إلى شاشة الهاتف، وآذانهم صماء عما يدور حولهم من حديث، حتى إنك إن ناديتهم لا ينتبهون إليك إلا بعد تكرار النداء مرات.
وأضرب هنا مثلاً عن لقاء جمعنا نحن الأصدقاء بعد طول فراق، فجلسنا فى مقهى بعد مصافحة وعناق حار، نتجاذب أطراف الحديث، ونستعيد الذكريات، لكن لم تمر سوى دقائق حتى راح الجالسون يلتفتون إلى صوت إشعارات تأتيهم على هواتفهم، فالتقط كل منهم هاتفه، وغرق فيه، بينما هاتفى «النوكيا» الطيب يحط أمامى على الطاولة صامتاً، نظرت إليهم مبتسماً، ثم ناديت النادل، وطلبت منه أن يمدّنى بكيس بلاستيكى، فلما أحضره طلبت منهم أن يضعوا فيه هواتفهم، ثم قلت للنادل:
- احتفظ بها عندك حتى نهاية جلستنا.
أدرك أن الإنترنت جعل أخبار الدنيا بين أطراف أصابعنا، وأنه يفتح لنا باباً للبحث والتحرى والتقصى والتحقّق لم يكن متاحاً لأجيال سبقتنا على درب الكتابة، لكنه فى نظرى ليس مصدراً راسخاً للمعرفة، اللهم إلا فى باب الكتب والأعمال الأدبية والأبحاث الإلكترونية، مقروءة أو مسموعة.
بين الكتب ما أغرق فيه بإمعان، وألتهمه فى نهم، ومنها ما أتصفحه سريعاً، وبعضها أختار منه فصلاً أو أكثر فأركز عليها، لاسيما إن كنت بصدد قراءة وظيفية لدراسة أو بحث أو كتاب فكرى أو علمى، وهناك كتب ما إن أقرأ مقدمتها، وأطالع محتوياتها، حتى أدرك أنها لن تضيف إلىَّ شيئاً، فأتعامل معها وفق الحكمة التى تقول: «إنك لست مضطراً لأكل البيضة الفاسدة كاملة حتى تدرك أنها ليست طعاماً صالحاً».
وهناك كتب أعيد قراءتها بالطبع، يحضرنى منها، وحسبما تسعفنى ذاكرتى فى هذا المقام: «الأيام» لطه حسين، و«ملحمة الحرافيش» و«أصداء السيرة الذاتية» لنجيب محفوظ، و«الرسالة القشيرية» للإمام القشيرى، و«طوق الحمامة» لابن حزم، و«ديوان المتنبى» و«ديوان جلال الدين الرومى» و«نهج البلاغة» المنسوب للإمام على بن أبى طالب، و«أرخص ليالى» ليوسف إدريس، و«أيام الإنسان السبعة» لعبدالحكيم قاسم، وبعض قصص محمد المخزنجى، و«الغرب والعالم: تاريخ الحضارة من خلال موضوعات» للمؤرخ الأمريكى كافين رايلى، ورباعية علاء الديب، و«علم الاجتماع» لأنتونى جدنز، والسيرتان الذاتيتان لغاندى ومانديلا، وكتاب «هكذا تحدّث زرادشت» لنيتشه، و«الأبطال» لتوماس كارليل، و«السهول تحترق» لخوان رولفو، وبعض كتب خورخى بورخيس، ورباعيات صلاح جاهين، وديوان ابن عروس، وبعض دواوين عبدالرحمن الأبنودى وصلاح عبدالصبور ومحمود درويش، والأعمال الكاملة لمحمد الماغوط، و«أشبه بتاريخ العالم» لإدواردو جوليانو، و«الإخوة كرامازوف» لديستوفيسكى، و«خافية قمر» لمحمد ناجى.
وحين يسألنى أىٌّ من الشباب عما يقرأ، أنصحه بقراءة أى كتاب لا يزيد من معلوماته إنما ذلك الذى يوسّع مداركه ويمنحه نهجاً فى التفكير، ويثرى خياله، ومن أمثلة هذه الكتب: «التفكير العلمى» لفؤاد زكريا، و«الإنسان بين المظهر والجوهر» لإريك فروم، و«التفكير المستقيم والتفكير المعوج» لروبرت ثاولس، و«مقال فى المنهج» لديكارت، و«لعبة الكتابة» لمصطفى ناصف، و«الآداب السلطانية» لعبدالعزيز العلام، و«أثينا السوداء» لمارتن برنار، و«ألف ليلة وليلة»، و«السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث» للشيخ محمد الغزالى، و«الإسلام السياسى» لمحمد سعيد العشماوى، و«الإخوة الأعداء» لكزنتزاكيس، و«أنا كارنينا» لتولوستوى، و«الذرة الرفيعة الحمراء» لمو يان، و«العمى» لساراماجو، و«شخصية مصر» لجمال حمدان، فى نسختها المختصرة، و«أعداء الحوار» لمايكل أنجلو ياكوبوتشى، و«السيرة الهلالية» بأشعار جابر أبوحسين ورواية عبدالرحمن الأبنودى، و«الجيبتانا» للسمنودى، كما أنصحه بأن يحاول الاطلاع على موسوعة سليم حسن عن مصر القديمة، والجزء الأول على الأقل من موسوعة عبدالوهاب المسيرى «اليهود واليهودية والصهيونية».
وحين يسألنى أحد عن الاختيار بين المكتبة والإنترنت، أقول له: من دون جدل ولا طول تفكير، أختار المكتبة، فهى الصوت، وشبكة الإنترنت هى الصدى.
وقد حاولت طوال الوقت أن أمارس نوعاً من «الريجيم الإلكترونى» إن صح التعبير، إذ أحرص على الاحتفاظ بهاتف محمول بسيط من ماركة «نوكيا»، أضع عليه خط الاتصال بى، فإن خرجت من بيتى إلى أى مكان، يكون معى، وبصحبته أوراق وقلم وكتاب، تاركاً «الهاتف الذكى» فى شقتى، لا أتصفّحه إلا عبر الإنترنت المنزلى.
لجأت إلى هذا حتى لا أقع فى إدمان «الإنترنت»، خصوصاً مواقع التواصل الاجتماعى، لاسيما أننى رأيت كيف يأكل الكثير من أوقات الناس، وبينهم باحثون وأدباء، حين رافقتهم فى رحلات، أو شاركتهم فى ندوات، أو جاورتهم فى عمل، وجدت عيونهم ممدودة طوال الوقت إلى شاشة الهاتف، وآذانهم صماء عما يدور حولهم من حديث، حتى إنك إن ناديتهم لا ينتبهون إليك إلا بعد تكرار النداء مرات.
وأضرب هنا مثلاً عن لقاء جمعنا نحن الأصدقاء بعد طول فراق، فجلسنا فى مقهى بعد مصافحة وعناق حار، نتجاذب أطراف الحديث، ونستعيد الذكريات، لكن لم تمر سوى دقائق حتى راح الجالسون يلتفتون إلى صوت إشعارات تأتيهم على هواتفهم، فالتقط كل منهم هاتفه، وغرق فيه، بينما هاتفى «النوكيا» الطيب يحط أمامى على الطاولة صامتاً، نظرت إليهم مبتسماً، ثم ناديت النادل، وطلبت منه أن يمدّنى بكيس بلاستيكى، فلما أحضره طلبت منهم أن يضعوا فيه هواتفهم، ثم قلت للنادل:
- احتفظ بها عندك حتى نهاية جلستنا.
أدرك أن الإنترنت جعل أخبار الدنيا بين أطراف أصابعنا، وأنه يفتح لنا باباً للبحث والتحرى والتقصى والتحقّق لم يكن متاحاً لأجيال سبقتنا على درب الكتابة، لكنه فى نظرى ليس مصدراً راسخاً للمعرفة، اللهم إلا فى باب الكتب والأعمال الأدبية والأبحاث الإلكترونية، مقروءة أو مسموعة.