آثار المدينة المهجورة.. «إيه اللى جاب القلعة جنب البحر»

كتب: محمد أبوضيف

آثار المدينة المهجورة.. «إيه اللى جاب القلعة جنب البحر»

آثار المدينة المهجورة.. «إيه اللى جاب القلعة جنب البحر»

طريق شديد الوعورة، يستوى حيناً ويعود متعرجاً، لا يستقيم فيه المسير بضعة أمتار حتى يباغتك منحنى شديد الخطورة، تحيط به الجبال الشاهقة من كل جانب، وعلى أحد جانبى الطريق يصطف أكثر من 1350 نقشاً فرعونياً على ألواح كبرى، وعلى الجانب الآخر تظهر أكواخ العمال فى العصر الفرعونى، بطول الطريق على مساحة تمتد لأكثر من 180 كيلومتراً فى الطريق ما بين قنا والقصير.

{long_qoute_1}

وعند الكيلو 90 تستقر مجموعة من الغرف الخشبية، وأمامها عدد من الأسرة ذى الأرجل الحديدية فى وسط الخلاء، وعلى أحدها يريح «عبدالله أبوالخير» ظهره، الرجل الذى يعمل على حراسة تلك النقوش منذ سنوات، يقول إنه يبيت فى وسط الطريق بالعشرة أيام لحراسة الأحجار التى تحمل تاريخ استخراج الفراعنة للذهب من وادى الحمامات الواقع على مبعدة من مجلسه وزملائه فى الحراسة، اثنان لا ثالث لهم، لا يمتلكان أى سلاح، وكل ما يستطيعان حماية أنفسهما به هو مجموعة من الأخشاب.

يعود تاريخ الطريق الأثرى إلى العصر الفرعونى، وكان معروفاً بطريق وادى الحمامات أو وادى الينابيع، وكان طريقاً للتجارة فى العصر الفرعونى، ومقر استخراج الذهب، ومن منجم أم الفواخير الذى يقبع فى وسط الطريق، على جانبى الطريق ما زالت باقية أثر أكواخ العمال، الذين كانوا يعملون فى استخراج الذهب وأحجار «البخن»، وليس هذا كل ما فى الأمر ولكن يضم أيضاً حمام كليوباترا، الذى لا يحتوى على أى حراسة تستطيع حماية تلك الكنوز سوى عم «عبدالله» وبعض من زملائه الذين يعدون على أصابع اليد الواحدة يتناوبون على حراسته ولا يحمل منهم أى سلاح سوى واحد فقط، حسب رواية الرجل، ولا يوجد باستمرار: «ساعة تصدف ويكون فى ورديتى وساعة لأ».

يتذكر الرجل بشعره الأسود الغامق، وجلبابه الرمادى، تلك الواقعة التى حدثت خلال أحداث ثورة 25 يناير، حينما أحسوا بصورة «منشار» غليظ على مقربة منهم، وحين توجهوا إليه وجدوا عدداً من المدججين بالأسلحة الآلية يقطعون بعض النقوش من على الحجارة الممتدة على الطريق، فما كان من الرجل إلا أنه هرع صارخاً للاستنجاد ببعض سائقى سيارات النقل، الذين عاونوه على استعادة الحجر، والذى سلمه إلى مخزن وزارة الآثار فى مدينة قفط الواقعة على آخر الطريق والتابعة لمحافظة قنا.

بامتعاض شديد يقول «عبدالله» لـ«الوطن» إنهم يعيشون فى الخلاء، حراساً على كنز حقيقى يستحق الكثير من التضحية: «ده ورث أجدادنا ولازم نحميه»، ولكن فى نفس الوقت يشير بأصابعه إلى تلك الحجرات الخشبية التى يعيشون بداخلها فى ظل الأجواء المتقلبة للمنطقة الجبلية: «لما السيول بتنزل بنغرق ومش بنبقى عارفين نحتمى بإيه»، وفى ذات الوقت لا يمتلك الرجل ابن مدينة القصير أى سلاح لحماية تلك النقوش: «بقالى أربع سنين شغال هنا ومسلمونيش أى سلاح طب أنا أحميها بإيه».

على هضبة مرتفعة فى وسط المدينة تظهر أسوار قلعة كبرى محاطة بأسوار حديدية من كل جانب، بالقرب من شاطئ البحر، بنيت فى العصر العثمانى لحماية الحدود المصرية، يحيط بالقلعة من كل جانب طريق متعرج غير مكتمل الرصف، ملىء بالحفر، مملوء بالحانات والبازارات بعضها مغلق والآخر مفتوح ولكن دون بضائع تذكر، لا يستقيم للترجل أو سير السيارات، حولها.

فى الداخل تظهر القلعة مبنية بالحجر الجيرى، وتحتوى على عدد من الغرف الصغيرة، وأسوار عالية، وبعض أبراج الحراسة، وعجلة «كرتة» تعود للعصر العثمانى، وبعض الآبار التى حفرت على أعماق بعيدة، على مدخل القلعة يجلس «الحارجى على» بجلبابه البنى، وشاربه الكث، حارس القلعة يؤكد أن الزيارة شحيحة للغاية ويشير إلى عاطف غريب الجالس فى شباك قطع التذاكر، والذى يقول إنه خلال هذا الأسبوع لم تخط قدم واحدة القلعة، وإن المنطقة بالكامل لا تشهد الكثير من الزيارات السياحية رغم كثرة المنتجعات والقرى المملوءة بالسياح.

يعود الحارجى، الذى يعمل بالقلعة من 18 سنة، ويقول إن القلعة ظلت مهملة حتى قبل أربع سنوات حين قامت الحكومة بتطويرها من خلال شركة فرنسية ولكنها لخلاف مع الحكومة لم تكمله، وأعطتها لشركة مصرية، ولم تقم بالتطوير ولا بالترميم بالشكل الكامل: «يعنى انت عارف الشركات المصرية بتعمل إيه مش زى الفرنسية».

عاطف غريب يقول إن القلعة ظلت لعشرات السنوات مقراً لإحدى كتائب الجيش، والعساكر دمروها، يجذب الشاذلى محمد، أحد الموظفين بالقلعة طرف الحديث، مشيراً إلى أن القلعة ظلت لسنوات تحت إمرة الجيش: «تخيل بقى قلعة زى ديه كانت كتيبة جيش.. اتدمرت»، مشيراً إلى السقف المرمم، الذى سقط خلال تلك الفترة بجانب الكثير من الأعمدة، مؤكداً أنها تكلفت ترميماً فى المرحلة الثانية والتى كان يقودها مقاول مصرى 6 ملايين جنيه.

محمد أبوالوفاء، مدير عام آثار البحر الأحمر، بقامته الطويلة وبشرته السمراء، يقول إن القصير مدينة تاريخية، كان لها دور قوى فى التجارة عبر العصور منذ الفراعنة، الذين كانوا يسمون الطريق بين قفط والقصير، والمملوء باللوحات الفرعونية، بطريق «قدس الأقداس»، وكانوا يستخدمونه للوصول إلى مدينة القصير، للإبحار إلى بلاد «بونت» فى القرن الأفريقى، وذلك خلال الدولة الوسطى من العصر الفرعونى، بجانب استخراج المعادن من منطقة أم الفواخير، فى المنطقة التى تسمى وادى الحمامات.

لم يأت الفراعنة فقط إلى مدينة القصير، حسب رواية «أبوالوفاء»، ولكن أيضاً للهو والصيد، مشيراً إلى وجود قرية تسمى قصور البنات، وكانت تسمى مدينة القصير حينها «بر نفر بر ست» وهى تعنى «مكان الحب والجمال»، مشيراً إلى أن النقوش الفرعونية تتحدث عن الرحلات التجارية بجانب أن المنطقة كانت منفى لمرتكبى الذنوب والخارجين عن القانون.

ويشرح «أبوالوفاء» اهتمام العصر البطلمى بمدينة القصير، وأهميتها الاستراتيجية، وشكلوا على الطريق لها الكثير من الكمائن تحرسها قيادات برتبة محافظ مدينة، وكانت القصير تسمى بالميناء الأبيض، نظراً لوجود الرمال البيضاء على شاطئها، واستفادوا منها فى النواحى التجارية، وحتى العصر المملوكى والذين بنوا القلعة فى عصر قنصوة الغورى.

ويؤكد «أبوالوفاء» أنه رغم الأهمية السياحية والأثرية ولكن لا تجد الاهتمام الذى يليق بتلك الآثار، ولكن طرقها متعرجة والبنية التحتية لا تسمح بأن تكون مزاراً مهماً للسياح، مشيراً إلى الكثير من المنتجعات السياحية، التى تضج بالسياح ولكن رغم ذلك نادراً ما تخرج رحلة لزيارة تلك الآثار.

 

 

 

بقايا آثار المدن التعدينية فى الصحراء

محرر «الوطن» مع حراس النقوش الفرعونية

 

 


مواضيع متعلقة