سامح فايز يكتب: جامعة عين شمس.. مسجل بعلم الوصول

كاتب صحفي

تخرّجت فى كلية الحقوق جامعة عين شمس عام 2007، ثم عملت لبضعة أشهر فى مهنة المحاماة قبل أن أقرّر تركها بلا رجعة، فلم أجد نفسى فى المهنة، علماً بأنها مقدسة ولها تقديرها الشديد، لكننى وبكل بساطة وجدت صعوبة فى العمل محامياً، بل وحتى فى دراسة الحقوق، فقد تخرّجت بتقدير مقبول بعد سبع سنوات من دراسة رسبت خلالها مرتين. كانت تجربة دراسية قاسية ومناهج متكلسة والأسلوب التعليمى أشبه بالوجود بين جدران سجن، أو هكذا رأيتها، لأننى ببساطة لم أحب دراسة القانون. مرّت الأيام والسنوات ثم أحببت خوض غمار العمل الصحفى بعد يناير 2011، فمارست المهنة لأكثر من عشر سنوات حصلت خلالها على الكثير من الجوائز والتكريمات، وأصدرت مجموعة من الكتب المتخصّصة فى النقد والأدب والعلوم السياسية. لكن ظل هناك جزء ينقصنى، فقد تعلمت المهنة بالممارسة، وكتبت فى النقد حباً فيه، لكننى حتى إن حصلت على جائزة نقدية رفيعة أو انتسبت مؤخراً إلى اتحاد كتاب مصر ناقداً أدبياً تظل الدراسة الأكاديمية ملاذاً مهماً لمن أراد أن يستمر شغفه وعشقه لما يحب. حتى عقدت العزم قبل عام، وتحديداً نهاية عام 2024، وشرعت فى خطوات الانتساب إلى كلية الآداب بجامعة عين شمس، طالباً بقسم الدراسات الفلسفية، وخلال عام كامل من الدراسة أعيش نهايته تلك الأيام بأداء امتحانات نهاية العام، أذهلنى ذلك التطور الكبير فى طرق التدريس والمناهج وآليات العمل داخل جامعة عين شمس، حتى طرق الامتحانات، والتى تضع الطالب تحت المجهر طوال العام الدراسى، بين أبحاث وتكليفات وامتحانات شهرية وتفاعل خلال منصة تعليمية إلكترونية تضم حسابات خاصة بكل طالب تشمل المناهج والكتب الدراسية، وملفات «باور بوينت» للمحاضرات المقدّمة فى القسم، وشروح بالفيديو، وفى بعض المواد نجد «كويز» أو ما يُعرف بالامتحانات القصيرة المعتمدة على القدرات الذهنية لكل طالب.
كل ذلك يطبق بناءً على الدراسة بمنهج الساعات المعتمدة، وهو طريقة فى التعلم لم نعرفها ونحن طلاب قبل ربع القرن، لكنها تجعل من الدراسة رحلة ممتعة تبتعد بالطالب عن اللهاث خلف المواد الدراسية، خشية الرسوب وإعادة دراسة العام بالكامل، لمجرد أنه رسب فى مادتين أو ثلاث.
أحببت فى تلك التجربة أننى عايشت جيلاً وُلد فى أعوام 2004 و2005، وتعلمت منهم الكثير من المعانى، وأحيا بعضهم فى نفسى الشغف فى الدراسة والتعلم مرة أخرى، حتى مع بعض العقبات التى تقابلهم فى مسيرة دراستهم الأكاديمية، والمرتبطة ببعض مناطق القصور، التى لم تواكب ذلك التطور الكبير على مستوى طرق التدريس والمناهج وآليات التواصل مع الطالب، مثال على ذلك عدم تعميم أداء الامتحان فى معامل الكمبيوتر على جميع المواد، والاكتفاء بأداء الاختبارات الشهرية فقط فى المعامل، علماً بأن الجامعة لديها الإمكانات من معامل وأجهزة.
أضف إلى ذلك عدم مواكبة بعض الأساتذة لذلك التطور فى طريقتهم التعليمية والقائمة على المنهج القديم نفسه القائم على الحفظ والتلقين، مع الوضع فى الاعتبار أنهم أساتذة أجلاء لهم كل التقدير، لكن من المهم أن يُقبلوا هم أيضاً على ذلك العالم الجديد الذى تعيشه الجامعة.
من الموضوعات التى أراها خطيرة وقد تضر بمستقبل بعض الأقسام المهمة فى كلية الآداب تسهيل الالتحاق بتلك الأقسام لبعض الطلبة المفصولين والمحولين من جامعات أخرى دون التحقّق من سبب الفصل والتحويل، وهل هو عائد لظروف خاصة مر بها الطالب أم لقصور فى تحصيله الدراسى؟، خصوصا أن غالبية أقسام كلية الآداب تعتمد على عقل واعٍ وخلاق فى الطالب المفترض التحاقه بالقسم، وما غير ذلك سيكون مجرد عقاب للطالب والقسم فى الوقت نفسه، وربما على المدى البعيد لن نجد من خريجى تلك الأقسام من يستطيعون حمل رايته، مع الوضع فى الاعتبار ما حدث مؤخراً من تقليص عدد الملتحقين بأقسام مثل الدراسات الفلسفية والتاريخ.
فى النهاية أشكر تلك الفرصة التى أعادتنى للدراسة مرة أخرى، لأصلح ما أفسدته الدراسة قبل عقدين من الزمان، وأن أتعلم أخيراً شيئاً أحبه، حتى لو كنت على مشارف العقد الخامس من عمرى!