هنُّوا أبو الفصاد..!

«يلّا حالاً بالاً بالاً هنُّوا أبو الفصاد.. حيكون عيد ميلاده الليلة أسعد الأعياد.. هنُّوا أبو الفصاد».. كيف تحولت هذه العبارات إلى أنشودة عربية يتغنى بها المشاركون فى أى عيد ميلاد؟.. زمان كانت العبارات الأجنبية التى تتمنى عيد ميلاد سعيداً للشخص هى السائدة، وظلت كذلك إلى أن أبدع محمد محمود شعبان رائعته الخالدة: «عيد ميلاد أبو الفصاد»، ذلك الأوبريت الفريد فى فكرته وفى إخراجه وفى أدائه، والذى تتجمع فيه الحيوانات من كل حدب وصوب لتحتفل بعيد ميلاد «أبو الفصاد» وتهنئه به.

محمد محمود شعبان أو «بابا شارو» حكى مع الإعلامية القديرة الراحلة «آمال العمدة» أنه قدم هذا الأوبريت، والذى اشتمل على أغنية «هنُّوا أبو الفصاد» فى الأربعينات من القرن العشرين، ما يعنى أن عمرها اليوم يزيد على الـ80 سنة، وعما قريب ستكمل 100 سنة كاملة، وهى مستقرة فى الوجدان المصرى والعربى، وجزء لا يتجزأ من الاحتفال بأعياد الميلاد. لقد كان «بابا شارو» موفَّقاً حين توقع ذات يوم أن هذه الأغنية ستتحول إلى فلكلور فتتردد على ألسنة الناس دون أن يعرف أحد أصلها. تلك حقيقة فالكثير من الجمل الفلكلورية التى نرددها اليوم كان وراءها مبدعون محددون، لكن الزمان طوى ذكراهم، ولم يبقَ منهم إلا إبداعهم الذى صار يتردد على الألسنة دون أن يعرف أحد من أبدعه.

لم يكن «بابا شارو» وهو يقدم إبداعه مع المبدع الآخر «إبراهيم جكله» يعلمان أنهما سيطلقان جملة ونغمة عابرة للأجيال، ستتمكن من التحليق والطيران من جيل إلى جيل، حتى تصبح تيمة أساسية من تيمات عيد الميلاد، وسوف تصبح جزءاً من الوجدان العام المصرى والعربى، ترددها الألسنة بلا كلل ولا ملل، لحظة الاحتفال بأعياد الميلاد.

محمد محمود شعبان -رحمه الله- مبدع غير عادى، بل مبدع «حقيقى». المبدع الحقيقى هو وحده القادر على اختيار أفكاره من جواهر الحياة وثوابتها، وترجمتها فى تعابير بسيطة تمنحها الخلود، وصياغتها فى ألحان تتدفق من القلب إلى القلب. الكثير من أعمال «بابا شارو» امتازت بالخلود، مثل «ألف ليلة وليلة»، والبرنامج الذى قدمه للأطفال، وأوبريتاته الإذاعية وصوره الغنائية، وما لم تحفظه تسجيلات الإذاعة من إبداعه استقر فى وجدان من سمعه، أو تصادف أن يستمع إليه هنا أو هناك. وكذلك المبدع الحقيقى يعرف بسلاسة الطريق إلى الخلود.

رحم الله «بابا شارو» المبدع الكبير الذى يعد جزءاً لا يتجزأ من تاريخ الإذاعة المصرية هو ومجموعة الرواد الإذاعيين الكبار، فسوف يظل هؤلاء يعبرون عن حالة مصرية صميمة تقول إن «الإبداع فرد»، كذلك الحال فى بلادنا، فالإبداع يحضر حين يتميز الفرد، أما الإبداع المؤسسى فما زلنا بعيدين عنه، ونحن نحلم بيوم يكون لدينا إبداع مؤسسى حقيقى، يقوم على تضافر عناصر العمل والتلاحم بين الأفراد بهدف تحقيق التكامل الذى يؤدى إلى الإبداع.