رحلة الاقتصاد المصري من الريع إلى الإنتاج (1)

عماد فؤاد

عماد فؤاد

كاتب صحفي

لا يمكن لعاقل أن ينكر الضغوط المعيشية التى يواجهها المواطن المصرى، ويتحملها بقدر من الصبر الممزوج بالتفاؤل، واثقاً من قدرة القيادة السياسية (الرئيس عبدالفتاح السيسى) على العبور بالبلاد إلى المستقبل الأفضل.
وفى المقابل تبدو المفارقة البائسة، برصد تشاؤم بعض المحسوبين على من نصفهم بـ«النخبة» من بين السياسيين والاقتصاديين، وهم يصفون الاقتصاد المصرى بأنه «ريعى»، لا مستقبل له.


أفهم أن ينظر المواطن إلى الاقتصاد من زاوية ارتفاع أسعار السلع والخدمات، فهذا ما يشغله، ولكنى لا أجد عذراً واحداً لـ«نخبوى» يتجاوز كل حدود الموضوعية، فى قراءته للمشهد الاقتصادى، متجاوزاً النقلة النوعية بالتحول من الريع إلى الإنتاجية.


ظل الاقتصاد المصرى أسيراً لعقود طويلة لدى القطاعات الريعية، التى مثلت العمود الفقرى لهيكله، وتعاظمت أهمية قناة السويس بعد تأميمها، وتلاها اكتشافات البترول والغاز، كما زادت قيمة تحويلات المصريين العاملين بالخارج، وارتفعت إيرادات السياحة بشكل ملحوظ.


كل هذه المصادر، رغم أهميتها فى توفير العملة الصعبة، جعلت الاقتصاد تحت تهديد التقلبات الخارجية، وتذبذب أسعار السلع الأولية العالمية، ولم تكن كافية لاستيعاب الزيادة السكانية وتوفير فرص عمل مستدامة، ولم تستطع الزراعة الإسهام بالقدر المأمول فى الناتج القومى، بعد أن ظلت فى حدود المنتجات الخام، ولم تتطور إلى التصنيع الزراعى، وسار قطاع الصناعة بخطوات بطيئة أقل من المعدلات اللازمة للنمو.


وعقب ثورة 30 يونيو، بدأ الاقتصاد المصرى رحلته بالتحول من الريع إلى الإنتاجية، وإعادة هيكلة بنيته الأساسية، ولم تعد محركات النمو قاصرة على البترول والغاز أو عوائد قناة السويس والسياحة بمفهومها التقليدى، وأصبحت الصناعة -خاصة الصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة العالية- هى قاطرة التنمية.


وكان القرار الاستراتيجى للرئيس عبدالفتاح السيسى، فور توليه مسئولية البلاد عام 2014، بوقف تصدير المواد الخام، أحد أهم المؤشرات على توافر الإرادة السياسية اللازمة للتحول نحو الاقتصاد الإنتاجى، وكانت «الرمال السوداء» التى تنتشر على سواحل مصر الشمالية، هى المثال الأكثر وضوحاً.


الرمال السوداء هذه كان يتم تصديرها كمادة خام، رغم احتوائها على معادن اقتصادية مهمة تدخل فى العديد من الصناعات الاستراتيجية، مثل «الإلمنيت» المستخدم فى صناعة هياكل الطائرات والصواريخ، و«الزركون» المستخدم فى صناعة السيراميك والمواد الحرارية وغيرها من المعادن، وتمتلك مصر احتياطات ضخمة من هذه الرمال، ولذلك تم تأسيس «الشركة المصرية للرمال السوداء» عام 2016، ثم افتتاح أول مصانعها فى منطقة البرلس بمحافظة كفر الشيخ عام 2022، لاستخلاص وتركيز المعادن الاقتصادية منها.


وقرار حظر تصدير المواد الخام لا يمثل فقط تحولاً فى التعامل مع مواردنا الطبيعية، لكنه يفتح الباب أمام تنويع مصادر الدخل القومى، وتوطين صناعات جديدة وتطوير القائم منها، ويعزز مكانة مصر كلاعب مؤثر فى أسواق المعادن الاستراتيجية، ويساهم بشكل ملموس فى بناء الاقتصاد الإنتاجى.


وإذا ما وضعنا فى الاعتبار ما نراه بأعيننا من بنية أساسية لتهيئة مصر عرضاً وطولاً لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، والمحلية أيضاً، واستصلاح ملايين الأفدنة الزراعية، وربطها بالتصنيع الزراعى، والمجمعات الصناعية العملاقة التى تم إنشاؤها بالفعل وبدأت الإنتاج للسوق المحلية والتصدير أيضاً، دعونا نعيد النظر فى مفهوم «الريع» المرتبط بقطاعات حيوية كالسياحة وقناة السويس، للتأكد من تحول اقتصادنا إلى «الإنتاج» والتنمية المستدامة بمفهومها الشامل.
وللحديث بقية.