الأب بطرس دانيال يكتب: الإنسان وكيل الله

كتب: أحمد فكري

الأب بطرس دانيال يكتب: الإنسان وكيل الله

الأب بطرس دانيال يكتب: الإنسان وكيل الله

يقول السيد المسيح: «ما مِن أحَدٍ يَستَطيعُ أن يَعَملَ لسيِّدين، لأنَّه إمَّا أن يُبغضَ أحَدَهُما ويُحبَّ الآخر، وإمَّا أن يُكرمَ أحَدَهُما ويزدَرى الآخر. لا تستطيعونَ أن تعَملوا للهِ والمال» (متى ٦: ٢٤). كم من جرائم تُرتكب نتيجة تعلقنا بالمال؟ ومن الوارد أن يتخلَّص أحدنا من الآخر لأنه عبدٌ للمال. هل هناك مَنْ يشكرون الله على النِعم المتوافرة لديهم، ويتقاسمون خيراتهم مع المحتاجين؟

يُحكى عن رجلٍ ثرى جداً، اصطحب ابنه ذات يوم إلى الريف، بهدف أن يجعله يشاهد ويلمس بنفسه كيف يعيش الفقراء حياتهم اليومية. وقد قضى الأب وابنه يومين فى منزل أسرة فقيرة. وبعد عودتهما للقصر الخاص بهما، طرح الأب عدَّة أسئلة على ابنه: «كيف تبدو لك هذه الرحلة؟»، أجاب الابن: «لقد كانت فى غاية الروعة والجمال يا أبى!».

- «أرأيت كيف يعيش الفقراء؟»

- «نعم.. شاهدتُ ذلك ولمسته بنفسى».

- «إذاً، أخبرنى ماذا تعلّمت من هذه المغامرة؟».

أجاب الابن: «رأيتُ أننا نمتلك حمَّام سباحة يشغل نصف مساحة الحديقة؛ لكنهم يمتلكون نهراً لا حدود له. عندنا مصابيح مستوردة لإضاءة الحديقة؛ بينما هؤلاء يمتلكون كل النجوم التى تلمع فى السماء. عندنا شرفة تصل إلى حافة الحديقة؛ ولكن هؤلاء لديهم الأفق بأكمله. نحن نملك قطعة أرض عليها قصرنا؛ بينما هم يعيشون وسط حقول لا نهاية لها. نحن نمتلك كلباً واحداً؛ بينما هم يمتلكون كلاباً لا حصر لها، نحن نشترى كل طعامنا؛ ولكنهم يزرعون كل ما يحتاجون إليه. عندنا مجموعة أشخاص يعملون لخدمتنا، ونطلق عليهم الخدم، ولكنهم يخدمون الآخرين بأنفسهم. عندنا جدران عالية حول قصرنا لتحمينا؛ ولكن لديهم جيران وأصدقاء فى أتم الاستعداد لحمايتهم».

لقد أجبرت هذه الإجابة الأب على الصمت، حتى إنه لم يستطع الرد بأى كلمة. ثم أضاف الابن قائلاً: «أشكرك يا أبى لأنك جعلتنى أدرك كم نحن فقراء!». ما عدد الأغنياء الذين يشكرون الله دائماً أبداً على جميع عطاياه لهم، ويكفُّون عن الشكوى والتذمُّر عمَّا ينقصهم؟ كم عدد الأثرياء الذين يفكِّرون فى كل مَنْ ليس عنده ما يأكل أو يشرب أو يلبس أو يتلقى به العلاج؟ جميعنا يعلم جيداً بأن سبب المشاكل والكوارث التى لا حصر لها ينبع من حُب التملُّك والمزيد من الثراء والغنى. كما ينتج عن التعلُّق بالمال العنف والسرقة والإساءة فى معاملة الآخرين، فالإنسان لا يشبع أبداً طالباً المزيد والمزيد من خيرات الأرض، حتى إنه ينسى أنها عطايا من الله للجميع، وعلينا أن نتقاسمها بالعدل فيما بيننا.

وإذا طرحنا هذا السؤال على الناس: «ماذا تنتظر، أو تنتظرين، من المستقبل القريب؟»، ستكون الإجابة الحتمية: «المال الوفير والثراء الفاحش وامتلاك كل شىء». ولن نسمع أمانى أخرى غير المال، وإذا فتشنا عن المال، سنجده فى قلب معظم المحن والأبغاض والأطماع والحروب والظلم. ليس المزيد من السعادة حتماً فى المزيد من المال، يكفى أن كثرته تحرم الإنسان لذَّة راحة البال. كم من الأغنياء على فراش المرض يرددون: «ما أحلى الفقر مع الصحة!»، كما أن الموت يَسلُب منّا كل شىء. إن خيرات الأرض من الله، وهو قد أوجدها لخدمة الإنسان، من أجل العيش الكريم، وليس الطمع ونسيان الآخرين. لذلك يجب علينا ألا نحتفظ بالمال والممتلكات لأنفسنا فقط؛ بل مقاسمتها مع الفقراء والمحتاجين، كما يجب أن نعتبر الخليقة عطيَّة من الله لجميع البشر بلا أى استثناء، وما الإنسان سوى وكيل الله على الأرض لتوزيع خيرات الله على الجميع بالعدل والرحمة. ولقد عبَّر القديس أمبروزيوس عن هذا بقوله: «لستَ بمالك تجود على الفقير، ولكنَّك تُعيد إليه ما يحقُّ له. فما أُعطى جماعيّاً ليستخدمه الجميع، ها إنَّك تستأثر به، فالأرض قد أُعطيت لجميع الناس، وليس للغنى فقط».

مما لا شك فيه أن حبَّ الامتلاك هو غريزة متأصلة فى الإنسان، فكل شخص يطمع فى أن يقتنى ممتلكات وأموالاً، وإن كان ذلك على حساب الآخرين، ثم يقع فى غريزة أخرى وهى المجد الباطل، أى التباهى بما يمتلكه، حتى يُقدِّره الآخرون ويرفعوا من شأنه ويمدحوه، ويصل به المطاف إلى حبِّ التسلُّط على الآخرين، ويبدأ فى استعبادهم واستغلالهم والسيطرة عليهم وإذلالهم، نتيجة ما يمتلكه. لذلك يجب أن نضع فى الاعتبار خطورة التعلُّق بالمال وعبادته، ونسعى لمقاسمته مع الغير. فالفقير يمتلك ذاته، لكن الغنى يمتلك كل شىء ما عدا ذاته. إذاً لنتذوق فرح العطاء والمشاركة. ونختم بالمثل الهندى القائل: «ما لم يُعطَ فهو مفقود».


مواضيع متعلقة