عمار علي حسن يكتب: محمد عبدالباسط عيد

كاتب صحفي

تقتحم الكلمات والصور عيون كثيرين دون أن يتوقفوا عندها ملياً، فيلتهمونها التهاماً أو يتعثرون فيها، وغاية ما يبلغونه هو تحصيل المعنى المباشر، أو اقتناص لذة، أو اكتساب منفعة من القراءة والمشاهدة، إن كان هؤلاء ممن يبحثون عن معرفة أو سعادة أو تسرية أو تسلية، أو حتى الغوص فى أحزانهم، أو الهروب من مشكلاتهم، فى حضرة الكتابة.

تتساوى فى هذا الكتابات كافة عند هؤلاء، الكلمات والصور باعتبارها جسوراً إلى ما يسعون إليه منها، وقد لا ينفك بعضهم دون أن يبلغ مقصده، أو يقف بعضهم فى المنتصف لا يتجاوزه، لكن هناك من يغوص خلف العبارات المكتوبة، والصور المرئية، والرموز المطروحة، ليخرج منها بمعرفة جديدة، أبعد مكانة، وأمضى أثراً، وأكثر إدهاشاً.

من بين الذين يغوصون إلى أعماق النصوص والصور والرموز أرباب البلاغة، الذين يمتلكون عيوناً غير العيون، وأفهاماً غير الأفهام، فيصنعون على ضفاف ما يقرأون ويرون ويتأملون نصوصاً أخرى، حافلة بالمعانى، تعطى لما يطالعونه، على اختلافه، مذاقاً خاصاً، ومعنى جديداً.

ولأن البلاغة لم تعد فى أيامنا واقفة على تبيان ما فى النص من جمال، فى مجازاته وموسيقاه وتركيباته وبنيته وسجالاته، فإن هؤلاء الغواصين يقاربون الأشياء والمعانى من زوايا أخرى، تحفل بالتفكير الجانبى والإبداعى، الذى لا يتأتى للمتعجلين، ولا يبين لمن يعبرون النصوص عدواً.

ينتمى المتمهلون هؤلاء إلى حقل «البلاغة الجديد» الذى يعتنى بالحجاج، وربط النص بسياقه الاجتماعى، وتتبُّع أثره المتداول على الألسنة، والوقوف على التغذية الاسترجاعية أو المرتدة بين المكتوب والمنطوق، فيجذبونه فى أحيان كثيرة إلى ما يسمى حقل «الدراسات الثقافية» الذى تتواشج فيه الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والنفسية والإعلامية التى يُنتَج النص فى ركابها ورحابها، فينهل منها، ويرد إليها، كى تتسع الرؤية، حتى وإن ضاقت العبارة.

من أبرز الذين يشار إليهم بالبنان فى حياتنا المعاصرة حين نتحدث عن هذه «البلاغة الجديدة» الدكتور محمد عبدالباسط عيد، الذى يجيد قراءة النصوص والواقع فى آن، ويدرك ما بينهما من تبادل المواقع والمواضع والتأثير المتبادل. سواء كانت نصوصاً قديمة لأشعار أو نثريات، أو كانت نصوصاً وصوراً جديدة لأشياء ورموز ذائعة الصيت فى دنيانا، تملأ الرؤوس، لكن أسرارها لا تنكشف إلا لأصحاب البصائر النيِّرة، والعقول المتفتحة، وأولئك الذين تطيعهم أقلامهم فى التعبير والتصوير.

يتحدث كثير من المثقفين المصريين اليوم عن المغربى عبدالفتاح كيليطو، فيرونه واحداً من أبرع هذا الصنف من الكُتاب والباحثين والمفكرين، فى التقاطه لأفكار منسية، وصور مهملة، وإعماله فيها عقله ومخيلته ليدهشنا بما يقدمه فى قراءتها، ويجعلنا معها نرى أشياء ومعان أخرى بطريقة مختلفة.

يقول كيليطو نفسه إنه ممن استفادوا من نص طه حسين، وكتابات مصطفى ناصف، الذى لم يستسلم للنظريات النقدية فى الأدب والبلاغة المنقولة عن الغربيين، إنما رآها من نافذة عربية، سواء كانت ثاوية فى كتب التراث، أو معروضة فى النصوص الحديثة والمعاصرة. وكلا الرجلين استعادا روعة الجاحظ فى صياغته السهلة الممتعة، والتداعى الحر للكتابة، دون الاستسلام لقيد أو سد.

وإذا كان كيليطو يقر بتأثير هذين الكاتبين، أو العالمين أو الناقدين المصريين، عليه، فإن تأثيرهما لم يكن بعيداً عن كتابات بلاغى مصرى يعيش بيننا، دون أن يلتفت كثيرون إلى أن ما يقدمه لا يقل روعة عما نراه عند كيليطو، ألا وهو محمد عبدالباسط عيد، ابن كلية دار العلوم جامعة القاهرة، الذى يفاجئنا بين سنة وأخرى بمؤلف جديد، قليلة صفحاته، لكنه عميق معناه، مدهش طرحه.

حين ترى اسم الرجل على كتاب تأكد من أنك ستكون فى حضرة كتابة غير عابرة، هى نتاج رؤية من نوافذ متعددة، تمنحها عيون وليست مجرد عين واحدة ولا حتى عينين اثنتين، لا ترى الظواهر والسجالات والكتابات من ثقب ضيق، على قدر معرفة صاحبه، ولا من جانب واحد وفق المكان الذى يقف فيه الكاتب، أو التخصص الضيق الذى يغرق فيه من أخمص قدميه حتى ناصيته.

هذه الرؤى المتعددة بزواياها المختلفة هى التى تميز كتابات عبدالباسط عيد، وتعطيها مذاقا خاصاً ومختلفاً، لا سيما فى ظل قدرته الفائقة على عرض أعمق الأفكار وأعوصها بأسلس التعبيرات وأجلاها، دون وقوع فى تكرار ميَّز نص طه حسين، بوصفه كاتباً كان يُملى ولا يراجع ما أملاه، حسبما اعترف، أو فى الحفر فى المكان كما كان يفعل مصطفى ناصف، إنما تركيب متتابع للمعانى، وفق عبارات جزلة، وسهلة ممتنعة، ونابتة فى أرض خصبة قابلة لإنبات أى زرع.

محمد عبدالباسط عيد، الذى يحلو لى أن أناديه أحياناً بكيليطو المصرى، ناقد وبلاغى وكاتب يجب أن نحتفى بقريحته، ونصافح أنامله التى تنسج خيوطاً من ذهب، يسميها هو دراسات وكتباً ومقالات، ونسميها نحن تحفاً رائعة من الكتابة المدهشة، التى نتمنى لها ألا تنقطع أبداً.