من الخيال العلمي إلى الواقع.. روبوتات تشفي نفسها بتقنية تشبه جلد الإنسان
من الخيال العلمي إلى الواقع.. روبوتات تشفي نفسها بتقنية تشبه جلد الإنسان
نشأت كثير من الأجيال على مشاهدة أفلام الخيال العلمي التي تعرض قدرات مذهلة، مثل قدرة T-1000 في فيلم «Terminator 2» على شفاء نفسه من أي جروح، بما في ذلك تلك الناتجة عن الرصاص أو الشفرات، وبينما قد لا يكون الأمر بنفس الدرامية، فقد حقق مهندسون من جامعة «نبراسكا لينكولن» الأمريكية، إنجازًا واعدًا في مجال الروبوتات اللينة، إذ طوروا نظامًا جديدًا قادرًا على اكتشاف الأضرار وإصلاحها ذاتيًا.
عضلات ذاتية الشفاء
تحاكي هذه العضلة الاصطناعية ذاتية الشفاء الطريقة التي يتفاعل بها جلد الإنسان والنباتات مع الإصابات، هذا العمل الرائد، الذي قاده المهندس إريك ماركفيكا من شركة هوسكر، وطلاب الدراسات العليا إيثان كرينجز وباتريك ماكمانيجال، قد يُعيد تشكيل فهمنا لكيفية تعامل الإلكترونيات والآلات مع التلف، بحسب موقع «interesting engineering».
وركز فريق ماركفيكا بشكل خاص على سد فجوة طويلة الأمد في مجال المحاكاة الحيوية، وهي القدرة على استشعار الضرر ومعالجته بنفس الطريقة التي تقوم بها الكائنات الحية، ويوضح ماركفيكا قائلًا: «في مجتمعنا، هناك دافع كبير نحو تكرار الأنظمة الصلبة التقليدية باستخدام مواد لينة، وهناك حركة ضخمة نحو المحاكاة الحيوية، وعلى الرغم من أننا تمكنا من إنشاء إلكترونيات ومحركات قابلة للتمدد ولينة ومتوافقة، فإنها غالبًا لا تحاكي علم الأحياء في قدرتها على الاستجابة للضرر، ثم البدء في إصلاح نفسها».
ولحل مشكلة إصلاح الروبوتات اللينة، صمم فريق البحث عضلة اصطناعية تتكون من ثلاث طبقات مبتكرة، الطبقة السفلية عبارة عن جلد إلكتروني ناعم مصنوع من السيليكون، يحتوي على قطرات معدنية سائلة دقيقة، هذه القطرات تُمكن الجلد من اكتشاف الضرر وتحديد موقعه بدقة، أما الطبقة الوسطى، فتتكون من مادة مطاطية حرارية صلبة، وهي سر قدرة العضلة على الشفاء الذاتي، أما الطبقة العلوية، وهي طبقة التشغيل، تعمل على تحريك العضلة عند تعرضها للضغط بالماء.
وتتمتع هذه العضلة الاصطناعية بقدرة فريدة على اكتشاف مكان حدوث الضرر، ثم تبدأ عملية الشفاء بشكل تلقائي دون أي تدخل بشري، ويعمل الجهاز عن طريق تمرير خمسة تيارات مراقبة عبر الجلد الإلكتروني، عند تعرض هذا الجلد للتلف، يُنشئ مسارًا كهربائيًا جديدًا، يتعرف النظام على هذا المسار الجديد، ويزيد التيار الكهربائي المار عبره، ما يحول المنطقة المتضررة إلى سخان، فالحرارة الناتجة عن هذا السخان تعمل على إذابة وإعادة إغلاق الطبقة الوسطى، ما يؤدي إلى إغلاق الثقب بشكل فعال.

النظام قابل لإعادة الاستخدام
وبعد عملية الشفاء، يجب إعادة ضبط النظام عن طريق إزالة بصمة الضرر من الطبقة السفلية، ولتحقيق ذلك، استغل الفريق ظاهرة الهجرة الكهربائية، وهي مشكلة شائعة عادة في مجال الإلكترونيات، إذ تؤدي إلى تحريك ذرات المعدن عندما يتدفق التيار من خلالها، ما قد يتسبب في فشل الدوائر، لكن هنا، استغل فريق ماركفيكا هذه الظاهرة السلبية لصالحه، واستخدموها لمحو مسار الضرر عمدًا، ما يجعل النظام قابلًا لإعادة الاستخدام مرارًا وتكرارًا، وبوضح ماركفيكا: «يُنظر عمومًا إلى الهجرة الكهربائية على أنها أمر سلبي كبير، إنها إحدى العقبات التي حالت دون تصغير حجم الإلكترونيات، نحن نستخدمها هنا بطريقة فريدة وإيجابية للغاية، فبدلًا من محاولة منع حدوثها، نستخدمها، ولأول مرة، لمحو آثار كنا نعتقد أنها دائمة».
وتتجاوز آثار هذه التقنية القادرة على إصلاح نفسها حدود المختبر، ففي الولايات الزراعية الكبرى، مثل نبراسكا، غالبًا ما تتضرر الروبوتات المستخدمة بسبب الأشواك أو الأغصان أو البلاستيك، ويمكن لأنظمة الشفاء الذاتي هذه أن تُطيل عمرها الافتراضي بشكل كبير، كما يمكن للأجهزة الطبية القابلة للارتداء أن تستفيد من هذه التقنية، ما يمكنها من تحمل مشاق الاستخدام اليومي بشكل أفضل، وعلى نطاق أوسع، فإن تطوير مثل هذه المواد يمكن أن يساهم في الحد من النفايات الإلكترونية، ما يساعد على حماية البيئة والصحة البشرية.
ويؤكد ماركفيكا على الأهمية التحويلية لهذا العمل: «إذا تمكنا من البدء في إنشاء مواد قادرة على اكتشاف الضرر بشكل مقبول ومستقل، ثم البدء في آليات الإصلاح الذاتي هذه، فسيكون ذلك تحويليًا حقًا»، وقد جرى عرض نتائج هذا البحث المذهل مؤخرًا، في المؤتمر الدولي لمعهد مهندسي الكهرباء والإلكترونيات حول الروبوتات والأتمتة في أتلانتا بولاية جورجيا، ونالت هذه الورقة التقديرية باعتبارها واحدة من 39 ورقة بحثية فقط مرشحة لجائزة أفضل ورقة بحثية من بين 1606 ورقات بحثية مقدمة، ما يؤكد أهميتها وابتكارها.