ألقوا بالشهيد محمد بدر من فوق سطح العمارة! أيوة حقيقى.. هذا ما جرى أمام الجميع!
كان ذلك مختصراً غير مفيد للأخبار فى بدايات شهر يوليو 2013 التى تحل ذكراها الثانية عشرة بعد أيام! بينما الإفادة شبه الكاملة عنها تقول: كانت حرارة الجو ساخنة للغاية حتى بالإسكندرية.. تماماً كما كانت حرارة الأحوال السياسية فى بلادنا مشتعلة بين فريقين لا ثالث لهما.. شعبنا بكل مكوناته فى جانب، وجماعة الإخوان وحلفائها فى جانب.. فى الشارع صدامات لا تنتهى.. كانت أولاً بين إرادتين.. جماهير تخلّص وطنها من حكم جماعة مجرمة.. وجماعة مجرمة متمسكة بالسلطة حتى لو تخلصت من الشعب كله.. ثم كانت ثانياً بين المواطنين والمنتمين لهذه الجماعة.. ووقتها.. لم تخلُ محافظة مصرية من ذلك.. وكانت الإسكندرية فى الصدارة.. وكان حى سيدى جابر بها فى صدارة الصدارة!
مظاهرات ضد الجماعة فى كل شارع وفى كل حارة.. فى إحداها شاهد بعض الصبية والشباب عنف أعضاء الجماعة ضد المتظاهرين.. هذا العنف الذى هدد به خيرت الشاطر علناً وهو يتحدث إلى الفريق عبدالفتاح السيسى وقتها وكان وزيراً للدفاع والذى حذره -فى واقعة شهيرة- من المساس بالشعب المصرى وأن لذلك ردود فعل قاسية!
ألقى الصبية بالحجارة من أعلى المنزل فى محاولة لدعم الأهالى وتخليصهم من أيديهم.. حددت عناصر الجماعة البيت واقتحموه وصعدوا إلى سطحه.. وفوق السطح غرفة وحيدة ربما كانت لخزان المياه وفوقها تحصن الصبية الثلاثة منهم.. لكنهم بدأوا بمحمد بدر الذى تمكنوا منه.. بكل أسى وحزن نقول إنهم أرادوا إدخال الرعب فى الناس حتى على جثة صبى صغير وعلى حساب جسده النحيل.. فبكل حسرة مزّقوا جسده بالآلات الحادة والسيوف ولم يكتفوا بذلك بل أمسكوه وألقوه من أعلى البناية!!! فى مشهد لم يحدث فى أبشع الجرائم الجنائية فى العالم!!!
سجلت الكاميرات الجريمة فى الاقتحام والمعركة غير المتكافئة بين مجرمين مدربين على القتل والتفجير، وبين صبية استفزهم ضميرهم لفعل ما رأوه واجباً. ونقلتها لحظة بلحظة على الهواء مباشرة.. بما تسبب ليس فى صدمة لكل من تابعوا الحدث وإنما أيضاً فى توثيقه.. ورغم ذلك زعم إعلام الجماعة -وهو الأكثر شهرة فى الكذب والتلفيق والتزييف- أنه «فوتو شوب»!
لماذا نقول ذلك اليوم؟ هل لنحيى ذكرى شهيد برىء وأسرة مكلومة إلى اليوم؟! نعم.. من أجل ذلك سنعيد قراءة أحداث كثيرة.. لكن لسبب آخر مهم.. وهذه العناصر التى بلغت هذا الحد من الإجرام.. متى وأين وكيف ولماذا تدربت؟! أليست هذه الجماعة الوسطية المعتدلة كما نصبوا على الناس؟! هى بعينها.. بشحمها ولحمها وضلالها.. هى على حقيقتها.. لا اعتدال ولا وسطية.
حيث الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب التفرقة بين العهود التى تعاملت مع الإخوان، على الأقل منذ تأسيس الجمهورية فى 1953، بين عداء شامل فى حالتى عبدالناصر والسيسى، وبين تحالف وتوظيف فى حالتى السادات ومبارك.. وفى الحالتين الأخيرتين يبدو عدم الاستيعاب لدور وكينونة الجماعة التى صدق عليها وصف الكاتب الفرنسى «تيرى ميسان» من كونها: «رأس حربة للاستعمار فى المنطقة»، والاستعمار المقصود هنا هو إبقاء هذه البلاد ضعيفة مرتبكة يسهل استنزافها من القوى الغربية.. ولا يقصد الاستعمار بشكله القديم.. وبالتالى أخطأ مبارك فى فكرة «تهويش» الولايات المتحدة والغرب بالجماعة، باعتبارها البديل الأسوأ له لو سقط حكمه.. إذ كان ذلك هو المطلوب بعينه من جماعة مرتبطة أصلاً بكل مخابرات الدنيا، وعلى رأسها المخابرات الأمريكية!
ومع ذلك يبقى السؤال: جماعة تقول عن نفسها معتدلة.. وتقول عن نفسها إنها عانت من صدامات كبيرة مع السلطة فى السابق، ولا تريد الانجرار إلى المصير نفسه.. وفتحت لها نوافذ كثيرة فى صحف ومواقع إلكترونية وفى النقابات والأندية، وفى البرلمان نفسه لماذا تعود من جديد إلى العمل السرى العسكرى المسلّح؟! لماذا تلجأ إلى إعادة التنظيم الخاص الذى قالت إنه جرّ عليها مآسى كبرى؟! لماذا تعود للعب بالنار بما يضعها مرة أخرى فى طائلة القانون كجماعة إرهابية؟!
إنه الطبع الذى يغلب التطبّع.. إنه زيف ما تعلنه كله من كونها جماعة معتدلة، أو ما أعلنته فى ما قبل وفى ما بعد فى مناسبات محدّدة أنها جماعة «دعوية» وزيف خطابها كله فى العقود الأخيرة من نبذها للعنف ورغبتها فى الانخراط فى العمل الحزبى الشرعى العلنى.. إنها كانت تروج لذلك، وفى الوقت نفسه تعد العدة للانقضاض على المجتمع.. وفى أول اختبار مع قيام ثورة 30 يونيو ظهر الجناح المسلح، بل ظهر فى 2011 حين تأكد من رحيل النظام، وأن الغضب الشعبى بلغ منتهاه.. والنظام ساقط لا محالة.. فظهرت أعمال الجناح المسلح!
وللحديث بقية..