سيناريوهات «الناتو» لصد هجوم روسي محتمل على أوروبا: التهديدات حقيقية

كتب: محمود العيسوي

سيناريوهات «الناتو» لصد هجوم روسي محتمل على أوروبا: التهديدات حقيقية

سيناريوهات «الناتو» لصد هجوم روسي محتمل على أوروبا: التهديدات حقيقية

فى خضم تصاعد التوتر العسكرى بين روسيا والدول الأوروبية، باتت التهديدات الروسية تخيم بظلالها على الجهود الدفاعية لحلف شمال الأطلسى «الناتو»، حيث صدرت تحذيرات متعاقبة عن كبار القادة الغربيين بوجوب الاستعداد لكل الاحتمالات، من بينهم قائد الجيش البريطانى، الجنرال السير رولى ووكر، وهو من كبار الضباط فى «الناتو»، من أن الحلف يواجه «تحديات جدّية»، وأنه يفتقر للوقت الكافى لسد الثغرات القائمة، مؤكداً أن التهديد الروسى «حقيقى»، ويجب أن يوضع فى صدارة الأولويات.

فى ضوء هذه «التهديدات الحقيقية»، بدأ حلف الأطلسى فى وضع عدة سيناريوهات عسكرية متنوعة، لصد أى هجوم روسى محتمل على أوروبا، وبحسب صحيفة «نيوزويك»، فقد أكد المسئول العسكرى البريطانى، فى كلمته أمام «المعهد الملكى للخدمات المتحدة»، وهو من أبرز مراكز الفكر الدفاعى فى أوروبا، يوم الأربعاء الماضى: «لدينا بالفعل تحديات خطيرة، يجب أن نواجهها معاً»، واعتبر أن «أكبر هذه التحديات، من بين الكثير، هو ببساطة نقص الوقت»، داعياً القادة العسكريين فى «الناتو» إلى «ضرورة الشعور بأن مواجهة هذه التهديدات المتصاعدة من أكثر الأمور إلحاحاً».

جاءت تحذيرات قائد الجيش البريطانى فى ظل تصاعد القلق داخل حلف الأطلسى من تعاظم التهديد الروسى، لاسيما مع احتمالات إبرام اتفاق لوقف إطلاق النار فى أوكرانيا، ما قد يتيح لروسيا إعادة نشر مئات الآلاف من جنودها الذين يقاتلون حالياً على الجبهات، وبينما تتباين تقديرات أجهزة الاستخبارات الغربية بشأن مدى سرعة روسيا فى إعادة بناء قدرتها الهجومية، فقد خلص تقرير صدر عن جهاز الاستخبارات الدفاعية فى الدنمارك، خلال شهر فبراير الماضى، إلى أن موسكو ستكون قادرة على شن «حرب واسعة النطاق» ضد حلف «الناتو» خلال خمس سنوات، إذا ما قررت الولايات المتحدة تقليص مشاركتها فى الحلف، وكذلك، حذر أوليه إيفاشينكو، رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية فى أوكرانيا، فى كلمة له هذا الأسبوع، من أن «روسيا قد تكون قادرة على شن نوع من الهجوم على أوروبا، فى غضون من عامين إلى أربعة أعوام من نهاية الحرب فى أوكرانيا، وربما قبل ذلك، إذا تم رفع العقوبات عنها».

وأشارت الصحيفة الأمريكية، فى تقريرها، إلى أنه رغم الخسائر التى مُنيت بها القوات البرية الروسية، جراء الحرب المستمرة فى أوكرانيا منذ أكثر من ثلاث سنوات، فإن سلاحى الجو والبحرية، وخاصة القطع البحرية المنتشرة بعيداً عن أوكرانيا، ظلا إلى حد كبير بمنأى عن الاستنزاف، كما أوردت عن تقرير حديث نشرته «نيويورك تايمز» هذا الشهر، أن صور الأقمار الصناعية تشير إلى أن روسيا بدأت فى توسيع قواعدها العسكرية قرب الحدود مع فنلندا، فى خطوة تُعد جزءاً من خطة طويلة المدى لتعزيز حضورها العسكرى على مقربة من حدود «الناتو»، وأكدت مصادر عسكرية فنلندية أن لديهم دراية جيدة بالنشاط الروسى المتزايد قرب الحدود.

وعلى الصعيد التكتيكى، حذر مسئولون فى حلف الأطلسى من براعة روسيا فى استخدام ما يسمى «الحرب الهجينة»، وهو مصطلح يشير إلى أساليب تهدف إلى تقويض خصومها، دون الدخول فى صراع مفتوح، وخلال الأشهر الماضية، شهد بحر البلطيق، الذى يسيطر عليه الحلف، عدة حوادث بارزة، تمثلت فى قطع أو تخريب كابلات بحرية تحت الماء، فيما يُعتقد أنه جزء من هذه الحرب غير التقليدية، ويرى بعض المحللين أن روسيا قد تلجأ إلى تكثيف هجماتها السرية، أو توظيف قواتها العائدة من أوكرانيا فى تنفيذ عمليات محدودة ضد أراضى «الناتو»، بهدف اختبار مدى جدية الحلف فى الرد.

وأوضحت «نيوزويك» أن تصاعد هذه المخاوف يأتى فى وقت تعهدت فيه الدول الأوروبية الأعضاء فى حلف «الناتو»، مدفوعة بانتقادات شديدة من إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، بزيادة إنفاقها الدفاعى، الذى تراجع عقب نهاية الحرب الباردة، خاصةً أن ترامب كان قد لوَّح، أثناء حملته الانتخابية، بأنه سيشجع روسيا على مهاجمة الدول الأعضاء فى «الناتو» التى لا تفى بالتزاماتها المالية للحلف، واقترح مسئولون فى البيت الأبيض أن تخصص الدول الأوروبية الأعضاء فى الناتو 5% من إجمالى ناتجها المحلى للدفاع، وهو رقم يفوق كثيراً الحد الأدنى المتفق عليه داخل الحلف، والمحدد بنسبة 2%، والذى لا تزال بعض الدول غير ملتزمة به حتى الآن.

اللافت فى تقرير الصحيفة الأمريكية أن الولايات المتحدة نفسها، رغم كونها القوة الأهم داخل «الناتو»، لا تنفق 5% من ناتجها المحلى على الدفاع، وفى الوقت الذى تعترف فيه الحكومات الأوروبية بأن واشنطن طالما طالبتها بزيادة استثماراتها العسكرية، فإن هناك إدراكاً متزايداً داخل العواصم الأوروبية بأن ارتفاع معدلات الإنفاق الدفاعى بات أمراً ضرورياً تأخر تنفيذه كثيراً، وتزامناً مع هذا التحول، لـمَّحت واشنطن إلى نيتها تقليص وجودها العسكرى فى أوروبا خلال الأشهر المقبلة، فى تحول استراتيجى كبير، يُنذر بتحول العبء الأمنى نحو الأوروبيين، وفى ختام كلمته، قال الجنرال «ووكر» ساخراً: «لقد وصلتنا الرسالة، استغرق الأمر منا محاولتين، لكننا فهمناها فى النهاية».


مواضيع متعلقة