بروفايل.. سميحة أيوب أسطورة لا تموت

كتب: نورهان نصر الله

بروفايل.. سميحة أيوب أسطورة لا تموت

بروفايل.. سميحة أيوب أسطورة لا تموت

تقف السيدة العظيمة على خشبة المسرح حتى تشعر بأنها جزء منه، يخرج صوتها الرخيم بعربية صحيحة ليرج أرجاءه على اتساعها، تتعاظم قدرتها على التعبير ما بين انفعالات وجهها المتقنة وحركة الجسد المحسوبة، لتتعالى أصوات التصفيق للممثلة التى أصبحت مدرسة فنية قائمة بذاتها تحمل اسم «سميحة أيوب»، التى رغم رحيلها عن عالمنا بعد رحلة فنية طويلة وثرية، سيظل حضورها متوهّجاً لعقود طويلة.

لم يكن مشهد البداية يشبه النهاية فى شىء، الفتاة النحيلة التى لم يتخطَ عمرها الـ14 عاماً أمام اللجنة التى تضم أشاوسة الفن فى عصره الذهبى، يسألها أحد الحاضرين إذا كانت حضَّرت مشهداً باللغة العربية الفصحى تستطيع إلقاءه أمام لجنة القبول فى معهد التمثيل، تطلب أن تُلقى قصيدة باللغة الفرنسية كانت تعلمتها فى مدرستها، ولكن يخونها صوتها الذى يخرج واهناً ضعيفاً، وكادت الدموع تهرب من مقلتيها قبل أن يباغتها رئيس اللجنة، الذى عرفت فى ما بعد أنه الفنان جورج أبيض، ويُخبرها بموافقته على التحاقها بمعهد التمثيل. لم يكن يعلم أحد أن تلك الفتاة سوف تصبح أسطورة المسرح وسيدته وتحفر لنفسها بأظافرها تاريخاً يتجاوز الزمن والأشخاص، وتصبح صاحبة إسهامات حقيقية فى إثراء حركة المسرح المصرى بعدما قضت نحو 80 عاماً من عمرها فى خدمته.

فى عالم يفيض بالمواهب، لا يثبت على القمة إلا مَن يمتلك مزيجاً فريداً من الموهبة والانضباط والصدق الفنى، وهو ما أظهرته سميحة أيوب منذ طفولتها، فكانت الموهبة الربانية قابعة بداخلها تغذيها فى انتظار فرصة للظهور، وجد الفن طريقه إلى الابنة الوسطانية لعائلة مرموقة من الطبقة المتوسطة فى حى شبرا العريق، الأب عثمان أيوب يعمل فى وزارة المالية، والأم جنات التى لم تنل حظاً كافياً من التعليم، إلا أنها علمت وثقفت نفسها بنفسها من الأدب العالمى ومرّرت حبها للأدب والفن إلى ابنتها «سميحة»، التى كانت تصطحبها إلى السينما، وتجلس شاخصة أمام الشاشة العملاقة وتحتفظ بكل شىء فى مخيلتها حتى تعيد الفيلم مرة أخرى مع زميلتها فى مدرسة «سان جوزيف».

صوت المذياع يخترق قلبها، بينما يعلن عن فتح باب قبول دفعة جديدة فى معهد التمثيل لعام 1944، وحاجته إلى فتيات، لم تستطع طرد الأفكار بداخلها، ما بين حلمها ورفض عائلتها المحافظة، ولكنها ضربت بكل تلك الاعتبارات عرض الحائط، فكان عشق الفن تمكن منها وضرب جذوره أكثر عُمقاً داخلها، وانتقلت إلى العيش برفقة خالها لتُحقق حلمها.

على مسرح دار الأوبرا وقفت سميحة تلميذة السنة الأولى بمعهد التمثيل لإثبات موهبتها بالفعل، بعد أن تتلمذت على يد زكى طليمات، أحد رواد المسرح المصرى، حتى جاءتها الفرصة الأكبر فى العام التالى الذى شهد ميلادها كبطلة من خلال أوبريت «عذراء الربيع».

ومنذ خطواتها الأولى، أظهرت سميحة أيوب وعياً فنياً مبكراً، وجرأة فى تقمّص الأدوار، جعلتها تتجاوز حدود الأداء التقليدى، وتوالت أعمالها ما بين المسرح والإذاعة والسينما، وحقّقت نجاحاً متصاعداً من خلال مسرحيات، منها «السبنسة»، و«كوبرى الناموس»، و«سكة السلامة»، مما جعلها ضمن المكرّمين من الرئيس جمال عبدالناصر عام 1964، كما قدّمت مسرحية لجان بول سارتر، الذى حضر عرضها وهنّأها على عبقرية أدائها، ولم تتوقف إسهاماتها عند هذا الحد، حيث كانت أول سيدة تترأس مسرحاً حكومياً فى تاريخ المسرح المصرى، حيث تم تعيينها مدير عام المسرح الحديث، ومدير عام المسرح القومى، وحصلت على الكثير من التكريمات، من بينها وسام بدرجة فارس من الرئيس الفرنسى جيسكار ديستان.


مواضيع متعلقة