الناشط المقدسي صالح دياب: واجهنا مشروع «2020» لبناء 250 ناطحة سحاب
الناشط المقدسي صالح دياب: واجهنا مشروع «2020» لبناء 250 ناطحة سحاب
تحقيق: محمد علي حسن وماريان سعيد
«مقدسى» أجهض خطة الاحتلال الإسرائيلى لمحو الحى من خريطة فلسطين: «نحن نملك التاريخ»
«منزلى هو جنة الأرض، صرختى الأولى احتضنتها جدرانه التى حملت 57 عاماً من ذكرياتى مع أبى وأمى وأشقائى، تزوجت فيه، ورأيت فلذات كبدى يلهون فى ساحته أمام عينىّ، أخوض حرباً فى محاكم الاحتلال منذ العام 2008، لإثبات ملكية ما تركه لى والدى من إرث، نعم بيتى مهدد بالإخلاء، لكننى أصمد على هذه الأرض التى تتعرض للسرقة، هم يريدون انتزاع حقى لكننا ثابتون مثل جذور النخيل»، بصوت تختلط فيه نبرة الحزن بالأمل والكبرياء، استهل صالح دياب، الناشط المقدسى، الذى يسكن حى «الشيخ جراح»، حديثه لـ«الوطن».
تتبدل لهجة «صالح» شيئاً فشيئاً، بينما يستعيد شريطاً طويلاً من الذكريات التى تصر على ألا تنتهى، قائلاً: «أود أن أخبر العالم بأننى لا أزال أملك ما هو أثمن من الأرض، أنا ومن هنا نملك التاريخ، ولهذا نحن أصحاب الحقيقة، كبرنا فى أزقة هذا الحى، وكل شىء فى حياتنا بدأ من الشيخ جراح، ويستمر فيه، أود أن أقول إن قصة نضالى لا تُقارن بنضال هذا الحى الأبى، الذى سبقنا بقرون، وبقى صامداً رغم كل العواصف، التى نعتبرها زوبعة فى فنجان».
حى «الشيخ جراح» ليس مجرد أحد الأحياء التقليدية فى القدس، بل هو حى استراتيجى، يربط شمال القدس بجنوبها، وشرقها بغربها، وقد سُمّى بهذا الاسم نسبة إلى طبيب القائد صلاح الدين الأيوبى، الذى دُفن فى أرضه قبل أكثر من 800 عام، يقع هذا الحى على ما يُعرف بالحدود بين القدس الغربية والشرقية، ما يجعله هدفاً مباشراً لمطامع الاحتلال، وتابع «دياب» قائلاً: «بفخر قبل أى شىء، يجب أن أوضح أنه رغم كل المأساة التى يعيشها سكان الحى، لكننا نجحنا فى إفشال مخطط الاحتلال لتهويد حى الشيخ جراح، وتفريغه من أهله، ولا نزال نناضل من أجل الحفاظ على أرضنا»، مشيراً إلى أن هناك مشروعاً وضعته بلدية الاحتلال، وهو «مشروع 2020»، الذى بدأ تنفيذه فى عام 2000، بهدف محو حى «الشيخ جراح» بالكامل، وبناء 250 وحدة سكنية عبارة عن ناطحة سحاب، ولكن «الحمد لله، نحن فى عام 2025 ولم يتحقق المخطط، وما زلنا فى بيوتنا».
يصمت المواطن المقدسى برهة ثم يستكمل حديثه بفخر: «ولدت بحى الشيخ جراح، وعشت طفولتى فيه، كنت أسمع من والدى عن تاريخ المكان، وعن المقبرة التى كانت خلف بيتنا، والتى كانت مملوكة لعائلة حجازى، وكانت تُستخدم كمزار فى فترة ما بعد النكبة، ثم تغيّر كل شىء بعد احتلال شرقى القدس عام 1967، المقام الذى كان مخصصاً للعائلة، حُوِّل إلى ما يُسمى بـ(قبر شمعون الصدّيق)، وهو اسم يُنسب لشخصية يهودية، ليكون بمثابة مسمار جحا داخل الحى، ومنذ ذلك الحين، بدأ المستوطنون بالتوافد للصلاة هناك، فى محاولة لتثبيت موطئ قدم لهم فى قلب الحى، الذى تعود قصته لما بعد النكبة مباشرة، وحين انتقلت 28 عائلة، جميعها من لاجئى نكبة 1948 ليسكنوا الحى، وبدءاً من عام 1953، بُنيت بيوتنا باتفاق بين الحكومة الأردنية، ووكالة الأونروا، التابعة للأمم المتحدة، وانتهى البناء عام 1956، فكانت البداية الجديدة لعائلات هجّرتها النكبة، لكن النكبة، كما أقول دوماً، لم تنتهِ فى عام 1948، فنحن فى فلسطين نعيش نكبةً يومية ونكسةً مستمرة».
ويتابع: «حين بدأ المحامى الجديد مراجعة الأوراق، اكتشف الكارثة الكبرى، إذ إن المحامى اليهودى الأول ارتكب جريمة بحقنا، حيث وقّع اتفاقات من وراء ظهرنا تُثبت ملكية الأرض للمستوطنين، بزعم أنهم اشتروها عام 1876 فى زمن الدولة العثمانية».
تصل قضية حى الشيخ جراح إلى محطة مفصلية ليس لـ«صالح» فقط، بل جميع سكان الحى المقدسى، إذ إنه فى عام 2008 خسرت إحدى العائلات -عائلة أم كامل الكرد- قضيتها أمام محاكم الاحتلال الثلاث المتمثلة فى «الصلح، المركزية، والإسرائيلية العليا» ليقتحم المستوطنون البيت بالقوة، وألقوا بأم كامل فى الشارع.
يبدو أن تلك الواقعة تحديداً تؤثر حتى الآن فى «صالح»، إذ شعرنا خلال حديثنا معه بصدمة تزامنت مع الصمت لبضع دقائق، ليعاود الحديث مجدداً بكل حنق وأسى، ليروى: «لم أتحمل رؤية هذا المشهد، فطلبت من الجيران منحى قطعة أرض صغيرة فى الحى، ونصبت عليها خيمة تؤوى أم كامل، وبدأت منذ ذلك الحين قصة الخيمة، كنا نُطرد كل يوم، ينهبون الخيمة ويعتقلون من فيها، يغرّموننا ويعتدون علينا، وكنت فى كل مرة أعود وأنصب خيمة جديدة، لم تكن هناك تكنولوجيا متقدمة وقتها، لا واتساب ولا فيس بوك، فطلبت من المتضامنين الأجانب أن يوثقوا ما يجرى بالصورة والفيديو، صرت أقول لهم (صوروا هنا، وصوروا هناك، وجمعت أرشيفاً من الصور يوثّق انتهاكات الاحتلال، كانت أول فعالية كبرى لنا هى صلاة الجمعة داخل الخيمة، وبدأ الإعلام يلتفت إلينا بعد وفاة زوج أم كامل بعد عشرة أيام فقط من طردهم، فأصبح الأمر أكثر تراجيدية لتتجسد فى قصتهم مأساة حىٍ كامل، وفى تلك المرحلة، جاءنى بعض الإسرائيليين من اليسار، وقالوا لى: (نحن نراك ناشطاً، ونريد مساعدتك)، فكان ردى: لا مشكلة لدىّ مع اليهود، مشكلتى مع الصهيونية والاحتلال، وبالفعل بدأنا بتنظيم مظاهرات أسبوعية فى الحى كل يوم جمعة، فكنا نرفع العلم الفلسطينى وندعو لرفض الاحتلال، فيبدأ الجنود بالاعتداء علينا، ويصورنا الناس، فيزداد العدد أسبوعاً بعد أسبوع، وفى عام 2009، أصبحت المظاهرات تجذب الدبلوماسيين والوفود الأجنبية، فاستضفتهم فى بيتى، وعرضت عليهم كل شىء على أرض الواقع)».
يحل عام 2009 مصطحباً معه كارثة كبرى لسكان الحى، حين اجتاحت قوات الاحتلال «الشيخ جراح» بأكثر من ألف جندى، وهدموا الخيام، وطردوا عائلتين كبيرتين وهما آل الغاوى وآل حنون، وألقوا بأثاث منزليهما فى الشارع.
«أخبرونا أننا يجب إخلاء المنزل، وظلت المحاكم مستمرة لكن قررت أن أرفع صوتى أكثر وأكثر، وفى عام 2017 جاء قرار الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترامب، بأن القدس هى عاصمة لدولة الاحتلال وممنوع رفع العلم الفلسطينى، واعترضت فى مظاهرة كبيرة وحينها اعتقلونى وضربونى ولكنى لم أستسلم ورفعت العلم الفلسطينى واعتقلونى مرة أخرى، لكن ظللت فى هذا الأمر حتى عام 2021، وفى عام 2022 تواصل الاجتياح من المستوطنين إلى المنطقة بشكل كبير جداً وبأسلحتهم، فكل يوم هناك صراع معهم، ومنذ تلك الساعة ومنزلى يتعرض للاقتحام يوماً بعد يوم، وأتعرض للضرب والانتهاك بشكل مستمر، ففى مرة من المرات كسروا رجلى وعدت من المستشفى على العكازات وبعدها بيومين عادوا ليهاجموا منزلنا مرة أخرى، وحينها تعرضت لكسور خطيرة فى القفص الصدرى، وكثيراً ما تم اعتقالى، فأنا اعتُقلت ما بين 25 و30 مرة، بعضها اعتقال إدارى، وبعضها بتهم ملفقة، من كثر ما اعتقلت لا أتذكر حتى عدد المرات، ولكن فى كل مرة كان الله لا يتخلى عنى لأعود وأستكمل ما بدأت»، بحسب المواطن المقدسى.
الأمر لم يقف عند التهديدات والاعتداءات، بل امتد لعروض المستوطنين على «صالح» ليرحل من المنزل مقابل 10 ملايين شيكل، ثم عرض عليه إخلاء مساحة بيته المقدرة بـ450م لبناء ناطحة سحاب، ليكون رده: «حتى وإن كانت كل كنوز العالم لن أبيع شبراً من أرض فلسطين».
ينهى «صالح» حديثه لـ«الوطن» لكنه لم ينته من نضال مستمر منذ 15 عاماً، لا راحة فيها، فقط خوف على البيت، وتمسك بالحياة، نضال أثر عليه وعائلته، لكنه لا يملك خياراً آخر فى صراع ليس نزاعاً عقارياً، بل محاولة اقتلاع من الوجود والجذور.