صلاة العيد


هلَّ عيد الأضحى على «مدينة رسول الله» بعد أيام من وصول مروان بن الحكم والياً عليها بقرار من معاوية بن أبى سفيان، فخرج الناس إلى الصلاة فى مسجد النبى صلى الله عليه وسلم، وفيهم بعض صحابته الكرام، ومن بينهم أبوسعيد الخدرى. جلس الناس فى المسجد وبينهم الوالى الجديد «مروان»، وإذا بهم يفاجأون به وقد ذهب نحو المنبر وأراد أن يمتطى صهوته ويخطب قبل الصلاة. هرول إليه أبوسعيد الخدرى وجذبه من ثوبه، ومنعه من الصعود وقال له: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، كان يصلى ثم يخطب فى الناس ويعظهم. وخلال فترة الخلافة الراشدة كان الخلفاء الأربعة يفعلون ما فعله النبى فى صلاة العيد، فكانوا يأخذون الناس إلى المصلى أولاً ثم يخطبون ويعظون.
أراد مروان بن الحكم أن يعيد تركيب طقوس صلاة العيد فيبدأ بالخطبة، ثم ينادى إلى الصلاة، وحين منعه «أبوسعيد» من ذلك رد عليه قائلاً: «أبا سعيد قد ذهبت تلك الأيام، لو صليت العيد، ثم وقفت أخطب على المنبر لانصرف الناس عنى ولم يسمعوا، كما كانوا يسمعون فى تلك الأيام -يقصد أيام النبى والخلافة الراشدة- فأنا أجعل الخطبة قبل الصلاة حتى يسمعنى الناس».
نظر أبوسعيد الخدرى إلى إصرار مروان بن الحكم على أن يخطب قبل صلاة العيد بغضب واتهمه أمام الناس جميعاً بالتغيير والتبديل فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فى المقابل لم يلتفت «مروان» إلى الكلام وفعل ما يريد بذريعة أن الزمان اختلف، والناس تغيرت، وأن الحكام لا بد أن يتغيروا بالتوازى، لأن ما كان يصلح للناس بالأمس لم يعد صالحاً لهم اليوم.
كأن مروان أراد أن يقول: بالأمس كان عهد النبوة والخلافة الراشدة، فكان من يخطب غير من يعتلى المنبر اليوم، من يخطب بالأمس كان الرسول الأعظم، أو أبوبكر أو عمر أو عثمان أو علىّ، ووزن وثقل هؤلاء الناس غير من يخطبون اليوم فى استماع الناس لهم والتفاتهم إلى ما يقولون. هل كان الرجل يقصد أن الناس لن تسمع اليوم إلا بالقهر أو بالجبر، وأنهم إذا تُركوا على حريتهم بعد الصلاة فسوف يرحلون جميعاً عن المسجد؟ حديث أبى سعيد الخدرى عن التبديل فى سنة النبى صلى الله عليه وسلم كان فى محله، وتذرع «مروان» بأن الناس تغيرت لم يكن كذلك، وإلا بماذا نفسر رفض أبى سعيد الخدرى وغيره من الصحابة لفعلة «مروان» وثورتهم عليه، إلى حد قيام أبى سعيد وراءه وجذبه من ثوبه حتى ينزله من فوق المنبر.
حديث التغير فى الزمان والمكان وما يترافق معهما من تغير البشر حديث له وجاهته، لكن فتح باب التغيير أو التأليف والتوليف فى أمور تتعلق بالطقوس الدينية ينطوى على خطر كبير الدلالة، يتعلق بأن يمنح «مروان» لنفسه سلطة لم ولن يكرن يملكها أحد غير النبى صلى الله عليه وسلم، وهى سلطة التشريع العباداتى.