رفعت رشاد يكتب: 5 يونيو 67.. هل نكسة ناصرية أم هزيمة عربية؟
مرت ثمانية وخمسون عامًا على تلك الأيام المشؤومة من صيف عام 1967، حين داهمت السماء العربية طائرات العدو الإسرائيلي، وسقطت الجيوش العربية في هزيمة خاطفة موجعة، عُرفت في الوجدان العربي بـ«النكسة». لم تكن مجرد معركة خاسرة في حرب تقليدية، بل كانت الشرارة التي أشعلت نارًا لا تزال مشتعلة في الجسد العربي حتى اليوم، نارًا لا تخبو، بل تتجدد كل عقد على شكل حرب أو ثورة أو فتنة أو تفكيك.
فهل كانت حرب الأيام الستة مجرد معركة محدودة في الزمان والمكان؟ أم أنها كانت- بحق- بوابة لعقود من الانهيار العربي المدروس، والدم المراق، والثروات المنهوبة، والخرائط الممزقة؟
لا يمكن لمراقب موضوعي أن يقف عند التفسيرات السطحية لهزيمة 1967، تلك التي تُرجع أسبابها إلى قرارات فردية متسرعة، أو إلى طبيعة الحكم الديكتاتوري في بعض البلدان العربية، أو إلى ضعف الجيوش وتسليحها. فلو كانت الهزيمة مجرد خطأ في التقدير أو قصورًا في الأداء، لما امتدت تبعاتها إلى ما بعد نهاية القرن، ولما خلفت وراءها نظامًا إقليميًا جديدًا، تتصدّره إسرائيل، وتعيد تشكيله أمريكا وأوروبا، تحت مظلة الهيمنة والتحكم الكامل في مقدّرات الأمة.
انبرى العديد من المحللين لتبرير النكسة وكأنها نتيجة تلقائية لغلق مضيق تيران، متناسين أن الخطط الأمريكية-الإسرائيلية، ومن ورائها استخبارات بريطانية وفرنسية، كانت قد أُعدت سلفًا، وأن «خطة اصطياد الديك الرومي» لم تكن نكتة سوداء، بل واقعًا مؤلمًا حاكته القوى الكبرى بعناية وصبر، مستفيدة من الانقسامات العربية، والتواطؤ الصامت من بعض العروش والنخب.
إن كل دارس للتاريخ العربي المعاصر يدرك أن نكسة 1967 لم تكن نهاية مشروع، بل بداية لمخطط أكبر لتفكيك المشرق العربي. فقد جاءت الهزيمة لتكريس وجود إسرائيل لا بوصفها دولة محتلة فحسب، بل كأداة وظيفية لضمان تفوق الغرب، وكحارس دائم للنفط والثروات العربية، وكذريعة مستمرة لإشعال الحروب الداخلية والخارجية كلما اقترب العرب من النهوض أو التوحد.
فهل من المصادفة أن تمر السنوات بعد النكسة لتُشعل المنطقة بحروب الخليج؟ حرب 1991 لتحرير الكويت، ثم حرب 2003 لتدمير العراق تحت ذرائع كاذبة. وبين هاتين الحربين، جرى إضعاف مكونات الدولة القومية العربية، وتكريس التبعية السياسية، وتجفيف منابع النهضة. العراق، حارس البوابة الشرقية، سُحق. سوريا حوصرت، ثم انفجرت. ليبيا أُسقطت برأسها القومي، واليمن غرق في الدم والدمار، ولبنان يعيش على فتيل الفتنة المزمن.
في ظاهر الأمر، لا رابط مباشر بين هزيمة عسكرية وقلاقل اجتماعية نشبت بعد عقود، لكن في العمق، هناك خط استراتيجي يربط بين اللحظتين. فهزيمة 67 كانت بداية تفكيك الحلم العربي، وتفكيك الدولة القومية، ونزع الثقة من الذات، ثم فرض العولمة النيوليبرالية، وتعميم ثقافة الاستهلاك، حتى وجد المواطن العربي نفسه في حالة غربة في وطنه. وحين تفاقمت الأزمات، واشتدت البطالة، وضاعت العدالة، انفجر الشارع. غير أن من ظن أن «الربيع العربي» سيؤدي إلى الديمقراطية أخطأ التقدير، إذ تم اختطاف الحراك الشعبي وتحويله إلى أدوات لهدم ما تبقى من الدول العربية.
في قلب كل هذه النيران، ظلت إسرائيل بمثابة العقدة الكبرى والمحرّك الخفي. هي لم تعد فقط قضية احتلال، بل تحولت إلى قاعدة متقدمة للمصالح الغربية، وإلى دولة وظيفية تقوم بما تعجز عنه القوى الاستعمارية القديمة: تفتيت المنطقة من الداخل، تأجيج الصراعات، تفجير التناقضات، وتبرير التدخل الأجنبي الدائم تحت لافتات الأمن أو مكافحة الإرهاب أو حماية الأقليات.
ولا يمكن تجاهل أن إسرائيل محاطة بأضخم احتياطي بترولي في العالم، وأن ضمان أمنها هو بوابة السيطرة على منابع الطاقة العالمية. فكل اشتعال في هذه المنطقة، من العراق إلى سوريا إلى اليمن، يصب في خانة إعادة تشكيل المنطقة بما يخدم أمن إسرائيل واستمرار الهيمنة الغربية.
إن السؤال الأعمق الذي ينبغي أن يُطرح ليس فقط: هل كانت هناك مؤامرة؟ بل لماذا نجحت؟ لقد اجتمع عنصران قاتلان: مؤامرة خارجية محبوكة، وتراجع داخلي في الرؤية والبناء والإرادة. فالعرب لم يخسروا في 67 لأن العدو أقوى، بل لأن الجبهة الداخلية كانت أضعف، ولأن التضامن العربي كان هشًا، ولأن المشاريع الكبرى (القومية، الوحدوية، التنموية) تعرضت للاغتيال من الداخل والخارج على حد سواء.
قد يتساءل البعض: كيف لحرب دامت ستة أيام فقط أن تخلق كل هذا الحريق الممتد؟ لكن السؤال الأصح: ألم تكن تلك الحرب «زر التشغيل» لمحرّك طويل الأمد؟ فمثلما تفتح ضغطة زر واحدة في النظام الإلكتروني تعقيدات لا تنتهي، كانت حرب 1967 هي الضغطة التي فعّلت آلية التفكيك الكامل لمنظومة العرب. من بعدها لم نعد كما كنا. أصبحنا نتحرك في فلك غربي، نستهلك أكثر مما ننتج، ونتصارع أكثر مما نتحاور، وننتظر النجاة من الخارج بدلًا من بنائها من الداخل.
لا يمكن للأمة أن تبقى أسيرة هزيمة مضت، ولا يمكنها أيضًا أن تتجاوزها دون أن تفهمها فهمًا عميقًا. المطلوب ليس البكاء على الأطلال، بل قراءة استراتيجية لتلك اللحظة، وربطها بحاضرنا، ورسم ملامح المستقبل. فلا خلاص إلا بإعادة بناء المشروع العربي المشترك، الذي يبدأ من الاعتراف بأن العدو الحقيقي ليس فقط من يقصفنا بطائرة، بل من يقسمنا بخريطة، ويفتتنا بخطاب، ويغوينا باستهلاك قاتل، ويزرع بيننا فتنة الدين والطائفة والهوية.
هل يتحمل جمال عبد الناصر وزر الهزيمة وحده؟ هل كان بطل الانحسار والانكسار العربي وحده؟ إذن أين بقية العرب؟ لماذا لم يحاربوا معه؟ لماذا خذلوه؟ هل كان تركه وحده تصفية حسابات؟ هل خوفا من تضخمه وتعملقه بحيث لا يمكن الوقوف أمامه؟ ألا توجد مؤامرة؟ ألا يتوجد مشروعات مخابراتية أمريكية إسرائيلية أوروبية عربية للتخلص من الديك الرومي– ناصر-؟ لماذا يتحمل ناصر وحده عبء انكسار العرب بعد 55 عاما من موته المشكوك فيه؟
إن الأمة التي تنهض من النكبات أشدّ صلابة هي تلك التي تستخلص العبرة وتبني على الألم أملًا. فهل آن للعرب أن يخرجوا من ظلال النكسة، وأن يعودوا إلى بناء نهضة حقيقية، تنطلق من العقل، وتتوحد فيها الإرادة، ويُعاد فيها تعريف الصديق والعدو؟
النكسة ليست قدرًا، بل لحظة تاريخية يجب أن تُفهم جيدًا.. كي لا تتكرر بأشكال أكثر تدميرًا.