المواجهة الكبرى.. الجيش الوطني المصري وجيش الإخوان السري

الموضوع الذى سأتكلم فيه جد خطير، لذلك يجب أن تكون له مقدمة، وفى هذه المقدمة أقول إننى أحب الرئيس عبدالفتاح السيسى جداً، وأرى أنه قدم لمصر عملاً وطنياً رائعاً عندما انحاز بالجيش ناحية الشعب وثورته على الإخوان، كما أن حكمه كان بداية لعهد جديد سعى فيه بكل إمكانياته ووِسْع نفسه إلى رسم ملامح الدولة المصرية الحديثة.

وأضيف فى مقدمتى أننى أيضاً أحب الجيش المصرى جداً، وأرى أنه من أكثر جيوش العالم امتزاجاً مع وطنه، وأقر إقراراً جازماً أمام جميع القراء أن العقيدة القتالية للجيش هى عقيدة تشكلت عبر آلاف السنين وأن بواعثها الحقيقية هى الدفاع عن الوطن، ولا أنسى أبداً أن أقول إن الأجهزة الأمنية المصرية بتشكيلاتها المتنوعة تعمل فى ظل ظروف فى منتهى الصعوبة، ومع ذلك استطاعت بمهارة شديدة الوقوف فى مواجهة حالات الانفلات الأمنى التى حدثت بعد ثورة يناير، كما أنها نجحت نجاحاً مذهلاً بعد ثورة يونيو فى مواجهة شياطين الإخوان بحيث استطاعت أن تقطع جزءاً لا يستهان به من يد الإرهاب، ويد من يحرك يد الإرهاب، وأنا على يقين أن التاريخ سيذكر بلا شك صلابة وزارة الداخلية بأجهزتها المختلفة، وسيشيد أيضاً بجهاز المخابرات العامة وتماسكه وقدراته المعلوماتية التى أنقذت مصر من كوارث لم يشعر بها أحد وكان من الممكن أن تحيق بالبلاد لولا يقظة ذلك الجهاز الوطنى العظيم، ولا يفوتنا فى هذا المقام أن نشيد نحن لا التاريخ بجهاز المخابرات الحربية الذى أدى أدواراً وطنية عظيمة، كل ما سبق هو من الأشياء التى لا يستطيع منصف أن ينكرها، والآن سأروى لكم قصة من قصص مصر.

تبدأ القصة عندما انحاز الجيش المصرى بقيادة الوزير وقتها عبدالفتاح السيسى لثورة الشعب المصرى، لم يكن الوزير السيسى وقتها يفكر فى منصب رئيس الجمهورية، ولكن حدثت «هِبة إلهية» لا يدرى أحد كيف بدأت، ولكنها كانت الهبة الإلهية التى جعلت السيسى هو محط أنظار الشعب المصرى كله، وللحق نستطيع أن نقول إن الشعب كان يبحث عن قائد وزعيم، فعبر سنوات حكم مبارك كان الشعب يراه مجرد موظف بدرجة رئيس، أما الرئيس الملهم فكان هو جمال عبدالناصر، حاول خصومه تحطيم صورته بعد وفاته إلا أن الجميع فوجئ فى ثورة يناير بالشعب يخرج عن بكرة أبيه وهو يحمل صورة السيسى وبجواره صورة عبدالناصر، واقترنت الصورتان، وامتزجت الشخصيتان فى عيون الشعب، وأصبح السيسى هو الزعيم، وشاءت الأقدار أن يستثمر السيسى تلك اللحظات بتوفيق غريب، فوصلت شعبيته إلى حد غير مسبوق.

كانت تلك المقدمة الطويلة عبارة عن مجموعة من الإشادات، ثم استهلال لقصة مصر بعد يونيو، وقد كانت المقدمة والاستهلال فى محلهما، وقد جعلتها مقدمة لمقالى لأضع بالتفصيل الوجه الآخر للصورة، وهى بالقطع ليست صورة مصرية خالصة، ولكنها صورة خبيثة، صنعتها قوى الشر عبر عقود طويلة، فهذا المقال إذن يدور بين إشادة، وإفادة، ولذلك سأعيد تذكيركم بأمور فى منتهى الأهمية، وفى الإعادة إفادة، ألم نتفق على أن جزءاً من المقال سيكون إفادة، إذن أفيدكم علماً أن ملف الإخوان والجيش المصرى هو من أخطر ملفات الأمن القومى المصرى.

بداية حين وقف الفريق أول عبدالفتاح السيسى، وزير الدفاع آنذاك، لينحاز إلى شعبه فى 30 يونيو، لم يكن يطلب سلطة، ولم يكن يسعى إلى الحكم، بل كان يُنقذ دولة من السقوط. غير أن هذا القرار لم يكن سهلاً، ولم يكن عابراً، بل كان فى الحقيقة إجهاضاً لمخطط رهيب استمر التخطيط له منذ عقود، ووصل ذروته فى عام حكم الإخوان.

هذا المخطط لم يكن يستهدف نظام الحكم فقط، بل كان يريد نسف البنية الأساسية للدولة المصرية، وفى مقدمتها الجيش. نعم، كانوا يريدون جيشاً آخر، بديلاً، تابعاً، عقائدياً لا وطنياً، يُقاتل من أجل الجماعة لا من أجل العَلَم والنشيد والتراب.

نعم كانت هناك نية خبيثة لتفكيك العقيدة القتالية للجيش المصرى. وبدأت بوادر ذلك حين أُطلق العنان للإعلام الإخوانى والقطرى والتركى من أجل تشويه صورة الجيش وشيطنته أمام الشعب. فجأة، صار الجندى المصرى «قاتلاً»، والضابط «خائناً»، وقيادات الجيش «عصابة». وكل ذلك بتنسيق مباشر مع أذرعهم الإعلامية، ومراكز دراساتهم التى كانت تكتب باللغة العربية والإنجليزية تقارير دورية عن ضرورة «إعادة هيكلة الجيش المصرى».

وهكذا رأينا فى السادس من أغسطس 2012، وفى شهر رمضان، وأثناء موعد الإفطار، تعرّض كمين للجيش المصرى فى منطقة رفح لهجوم إرهابى وحشى، وقد أسفر هذا الكمين الشيطانى عن استشهاد 16 جندياً وضابطاً، كانوا يؤدون واجبهم الوطنى وهم صائمون.

ولكن ما علاقة الإخوان بهذا الحادث الذى أطلقنا عليه حادث رفح الأول؟ كشف الله سترهم يا أخى؛ فبعد الحادث، تمت مكالمة للرئيس الأسبق محمد مرسى، يُخاطب فيها زعيم تنظيم القاعدة، قائلاً: «كنتم استنيتهم لما يفطروا»! وقد كشفت الأيام فيما بعد خبر هذه المكالمة أثناء التحقيقات التى أجرتها النيابة العامة مع محمد مرسى.

كان ما قاله محمد مرسى فى هذه المكالمة ليست مجرد كلمات، ولكنها للأسف كانت كلمات لا ينبغى أن تُقال فى لحظة تواصل إنسانى، بل تُقال بنبرة من يُنسّق ويدير، ويُراقب الميدان من مقعد الحاكم. تلك الجملة كانت كاشفة: لم يكن مرسى مجرد متفرج على الأحداث، بل كان جزءاً من ماكينة إرهابية تم التخطيط لها جيداً، وكان الجيش المصرى هو الهدف الأول.

لم يكتفِ الإخوان بخططهم على الورق، بل سعوا إلى تجنيد ضباط من داخل القوات المسلحة، بعضهم بالفعل انضم إلى جماعات إرهابية تابعة للتنظيم المسلح للإخوان وشارك فى عمليات ضد الجيش.

وقد كان من أبرز هذه الأسماء:

• هشام عشماوى: وهو ضابط صاعقة سابق بالجيش المصرى، وعن طريق الإخوان تحوّل إلى أخطر إرهابى فى ليبيا وسيناء. حيث قاد عمليات إرهابية مروعة، منها مذبحة الفرافرة، التى استُشهد فيها 22 جندياً، وكان مسئولاً عن تفجيرات وكمائن عديدة. تم القبض عليه فى درنة الليبية عام 2018، وسلمته قوات الجيش الوطنى الليبى إلى مصر، وحوكم وأُعدم فى 2020 بعد أن اعترف بكل جرائمه.

• عماد عبدالحميد: وهو ضابط مفصول من الجيش، انضم إلى عشماوى فى ليبيا، وكان ذراعه اليمنى. وقد قُتل فى عملية أمنية فى الصحراء الغربية.

والحقيقة أن محاولات التمكين هذه لم تكن حالات فردية يجب أن ننظر لها باستخفاف، ولكنها كانت جزءاً من خطة ممنهجة لاختراق الجيش من داخله، وتفخيخ المؤسسة الوطنية بإرهاب مقنَّع يرتدى الزى الرسمى، ويُخفى الولاء للجماعة فى قلبه، ولكن كانت تحركات الجماعة فى هذا الشأن مرصودة ومتابعة، لذلك تم القضاء على هذه المحاولات بهدوء ودون عرض إعلامى، فما خفى كان أعظم ولكن العيون الساهرة كانت أعظم وأذكى وأقوى.

إن هذا ليس تحليلاً عابراً، بل حقائق دامغة، وثّقتها محاضر النيابة العسكرية، وأحكام القضاء، وتحقيقات أجهزة الأمن الوطنى، بل اعترافات بعض المتهمين فى محاكمات علنية.

ولن نبالغ إن قلنا إن جماعة الإخوان ومن خلفها أجهزة استخباراتية إقليمية ودولية لم تكن تنظر إلى الجيش المصرى باعتباره مؤسسة وطنية بل كانت تراه خصماً لا بد من تفكيكه. كانوا يعرفون أن الجيش هو الحائط الأخير الذى يحول دون تحقيق مشروعهم، وأن بقاء الدولة المصرية مرهون ببقاء الجيش متماسكاً، لذلك كان هدفهم الأول هو تفكيك الجيش، وإحلال بديل تابع لهم مكانه، جيش عقائدى بفهمهم، لا عقيدته القتال دفاعاً عن الوطن، بل القتال دفاعاً عن مشروع الجماعة.

وهكذا نُدرك أن معركة مصر لم تكن فقط مع الإرهاب، بل كانت مع مخطط لاختطاف الوطن من داخله، وتحويل مؤسساته إلى أدوات لخدمة مشروع عابر للحدود اسمه (الإخوان المسلمين).

وهنا نقف لنُعيد التأكيد:

أن الجيش المصرى لم يكن فقط خط الدفاع الأول، بل كان حائط الصد الأخير. ولو سقط، لسقطت مصر كلها.

ولذلك فإن بقاء الجيش، وتماسكه، واستعادة الدولة لعافيتها، لم يكن فقط إنجازاً سياسياً، بل معجزة وطنية شارك فيها الشعب، والجيش، والأجهزة الأمنية، وكل مواطن أحب هذه الأرض ورفض أن تُباع أو تُقسم.

هذه هى رواية مصر، كما لم تُحكَ من قبل.

لذلك لم يكن أمام الإخوان إلا العمل على مشروع آخر بديل للاختراق الفاشل، هذا المشروع هو إنشاء جيش بديل. جيش يحل محل الجيش المصرى، وأنا هنا لا أتكلم عن استنتاجات أو ظنون أو تخمينات، ولكنى أستند إلى حقائق أعرف بعضها يقيناً، وخرج بعضها سابقاً عبر فلتات لسان من مصطفى مشهور عام ١٩٩٧ ومهدى عاكف عام ٢٠٠٧.

لذلك حين دخل الإخوان القصر الجمهورى، لم ينتظروا طويلاً حتى بدأوا فى التحرك لإنشاء جيش موازٍ تابع للجماعة، على غرار «الحرس الثورى الإيرانى»، و«كتائب القسام» التابعة لحماس.

ففى أغسطس 2012، وصل قاسم سليمانى، قائد الحرس الثورى الإيرانى، إلى القاهرة سراً، وتم استقباله من قِبَل خيرت الشاطر، نائب مرشد الجماعة. هذا اللقاء لم يكن عابراً، بل تم التباحث فيه حول بناء جهاز أمنى وعسكرى موازٍ، يتبع الجماعة لا الدولة، تماماً كما فعلت الثورة الإيرانية.

وفى الوقت نفسه، سُجلت لقاءات جمعت بين قيادات القاعدة، مثل محمد الظواهرى (شقيق أيمن الظواهرى)، وآخرين مع خيرت الشاطر ومرسى، لبحث إنشاء جيش جهادى فى سيناء، يستنزف الجيش المصرى فى حرب عصابات طويلة.

والخطة الشيطانية كانت واضحة:

• فتح جبهة قتال فى سيناء

• تجنيد عناصر إرهابية محلية وأجنبية

• استعمال المدنيين كدروع بشرية

• تشويه صورة الجيش إعلامياً

• تحقيق استنزاف دائم يؤدى إلى انهيار الروح المعنوية

لكن المفاجأة التى لم يتوقعها الإخوان ولا داعموهم، أن الجيش المصرى لم يسقط بل نهض، وقاتل، وانتصر.

خاض الجيش المصرى واحدة من أصعب حروب العصابات فى العصر الحديث، على أرض تمتد مئات الكيلومترات فى سيناء، تتداخل فيها الجبال والأنفاق والمخابئ، ويُستتر فيها العدو بالمدنيين، ويضرب فى الظلام ثم يختفى.

وهنا تجب المقارنة:

• فالولايات المتحدة الأمريكية، بكل قوتها، عجزت عن الانتصار فى أفغانستان، وخرجت بعد 20 عاماً دون نتيجة.

• والاتحاد السوفيتى من قبلها، خرج مهزوماً من الجبال نفسها.

• وفرنسا من قبل فشلت فى الجزائر، وإسرائيل أيضاً فشلت فى لبنان.

هذه حقائق عسكرية لا جدال فيها، فكل جيوش العالم انهزمت أمام حروب العصابات… إلا الجيش المصرى.

نجح الجيش المصرى، بالتعاون مع أجهزة الأمن، فى تفكيك التنظيمات، وضرب البنية التحتية للإرهاب، وتفجير آلاف الأنفاق، والقضاء على قيادات الصف الأول فى التنظيمات المسلحة.

واستعاد السيطرة على الأرض، وأعاد هيبة الدولة، والأهم: أعاد الثقة للمصريين فى أن وطنهم لن يُسقطه أحد.

والآن تخيلوا معى لو نجحت الخطة، وتم تفكيك الجيش، وأُنشئ جيش بديل موالٍ للإخوان، واشتعلت سيناء، وتحولت مصر إلى مشهد يشبه سوريا أو ليبيا.

تخيلوا لو أصبح القرار العسكرى فى يد تنظيمات عقائدية لا وطنية.

لقد كنا على بُعد خطوة من هذا الجحيم، ولكن حائط الصد الوطنى وقف صلباً، بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى، وبتضحية جنود وضباط دفعوا أرواحهم ثمناً للحفاظ على الوطن.

ولذلك، فإن هذا الفصل من تاريخ مصر لا يُقرأ فقط على أنه انتصار فى معركة، بل يُقرأ باعتباره نجاة أمة بأكملها من مشروع كان سيحوّلها إلى أشلاء.