ألمانيا تودع زمن تراجعها الاستراتيجي

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

في قلب أوروبا، تستفيق ألمانيا على واقع استراتيجي جديد فرضته الحرب الروسية على أوكرانيا، واقع يهدد القارة ويعيد تشكيل موازين القوى العالمية، بعد عقود من التراجع عن بناء قوة عسكرية كبرى بفعل إرثها التاريخي في الحربين العالميتين، بدأت برلين اليوم تفكر بجدية في استعادة مكانة عسكرية توازي قوتها الاقتصادية والتكنولوجية، مدفوعة بمخاوف أمنية حقيقية وتغيرات في التوازنات الدولية.

أحدثت الحرب الروسية الأوكرانية زلزالًا في عقل أوروبا الاستراتيجي، ليس فقط لأنها وقعت في جوارها الجغرافي المباشر، ولكن لأنها كشفت عن هشاشة المنظومة الدفاعية الأوروبية التي طالما اعتمدت على الولايات المتحدة عبر مظلة حلف شمال الأطلسي، أدرك الألمان، كما غيرهم، أن واشنطن قد لا تكون دومًا الضامن المطلق لأمن أوروبا، خاصة في ظل تنامي التيارات الانعزالية داخل السياسة الأمريكية.

رغم المحاذير التاريخية، شرعت ألمانيا في تنفيذ أكبر خطة إعادة تسليح منذ عقود لتحديث الجيش الألماني، ورفع الإنفاق العسكري إلى أكثر من 2% من الناتج القومي، وهو المعيار الذي طالما طالبت به واشنطن في إطار الالتزامات داخل «الناتو»، لم يعد الأمر يتعلق بتحسين العتاد أو رفع الجاهزية، بل بالتفكير في دور عسكري أوسع لألمانيا في القارة، وربما في العالم.

هل تتجه ألمانيا إلى امتلاك السلاح النووي؟ من الناحية التكنولوجية، لا شيء يمنعها، فهي دولة صناعية متقدمة تمتلك كل المقومات التقنية لبناء ترسانة نووية خلال سنوات معدودة، إن لم يكن شهورًا، لكن التحدي ليس تقنيًا، بل سياسي وأخلاقي وتاريخي.

كانت ألمانيا، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، نموذجًا للدولة التي تنبذ الحروب وتضع نفسها تحت قيود ديمقراطية حادة تمنع العودة إلى النزعات العسكرية. ومع أن فكرة «الردع النووي الأوروبي» طُرحت أحيانًا في دوائر ألمانية، فإن الغالبية داخل أوروبا لا تزال ترفض فكرة امتلاك برلين قنبلة نووية.

فرنسا وبريطانيا، وهما القوتان النوويتان الأوروبيتان، عضوان دائمين في مجلس الأمن، ويمتلكان أسلحة نووية منذ الحرب الباردة، ولهما سجل يختلف عن سجل ألمانيا في الحربين العالميتين. لذلك، فإن أي تفكير في تسليح نووي ألماني يُقابل بشكوك عميقة، حتى من حلفاء برلين.

من المؤكد أن ألمانيا اليوم تعيش لحظة مفصلية في صياغة عقيدتها الأمنية والعسكرية. فهي لم تعد قادرة على لعب دور "الممول المسالم" أو "العملاق الاقتصادي الأعزل". كما أن التهديد الروسي، خاصة مع تكرار لغة النووي في خطاب الكرملين، بات يستدعي ردعًا أوروبيًا أكثر جدية وفاعلية.

ما يزيد تعقيد المعادلة أن أوروبا لم تعد تثق كامل الثقة في استمرارية الحماية الأمريكية. وإذا انسحبت واشنطن يومًا من "الناتو"، فستجد القارة نفسها أمام خيارين: إما تطوير منظومة دفاعية أوروبية حقيقية، يكون لألمانيا فيها دور مركزي، أو السقوط في حالة من العجز الاستراتيجي أمام قوة روسية متنامية، وقوة صينية صاعدة.

الواقع أن ألمانيا، إن قررت السير نحو بناء قوة عسكرية ضخمة وربما نووية، فلن تكون أوروبا قادرة على منعها فعليًا. أوروبا اليوم بحاجة إلى برلين أكثر مما كانت يومًا، اقتصاديًا وسياسيًا وأمنيًا. لكن المسألة تبقى في كيفية تنظيم هذا الصعود الألماني ضمن منظومة جماعية أوروبية، تمنع الانفراد وتضمن التوازن.

تبدو ألمانيا اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. فإما أن تظل مكبلة بقيود الماضي، في قارة تغرق في الحروب وتتحول إلى تابع لقوى أخرى، أو أن تنهض بدور قيادي عسكري وأمني يعيد صياغة معادلة الردع الأوروبي. السؤال لم يعد: هل تسمح أوروبا لألمانيا؟ بل: هل تستطيع أوروبا الاستمرار دون قوة ألمانية توازي حجم التحدي الروسي؟ وفي خلفية هذا المشهد، يظل شبح السلاح النووي حاضرًا، مقلقًا ومغريًا في آن، مؤكدًا أن مستقبل أوروبا قد يُرسم في برلين كما في موسكو. فإلى الشرق، روسيا تطلق رسائل نارية وتتوغل في العمق الأوروبي، مهددة دول البلطيق وبولندا، وقد تصل إلى حدود ألمانيا الجغرافية والنفسية.

إلى الغرب، فرنسا وبريطانيا تلوحان بأسلحتهما النووية، وترفضان ــ وإن بصمت ــ صعود ألمانيا كقوة عسكرية متكافئة. إلى الشمال الغربي، واشنطن ــ ضامن الأمن منذ الحرب العالمية الثانية ــ تُظهر ملامح انسحاب استراتيجي تدريجي، سواء بدافع الانشغال بالصين، أو تصاعد النزعات الشعبوية. في ظل هذا الواقع، تجد ألمانيا نفسها مضطرة لإعادة تعريف مفهوم "أمنها القومي"، وتوسيعه ليشمل مسؤوليات خارج الحدود الوطنية، وربما في المستقبل، خارج القيود التاريخية.

ومن الناحية الجيوسياسية، سيمثل امتلاك ألمانيا لسلاح نووي انقلابًا في توازنات القوة داخل أوروبا: فرنسا سترى في ذلك تهديدًا مباشرًا لزعامتها الدفاعية الأوروبية. وبريطانيا ستُعيد التفكير في مكانتها داخل "الناتو" وخارجه. وروسيا ستعتبر ذلك تصعيدًا خطيرًا يُفقدها أحد أعمدة تفوقها الردعي. والولايات المتحدة قد ترى في الخطوة تهديدًا لتماسك الحلف الأطلسي.

هكذا فإن المسألة النووية الألمانية ليست مجرد خيار عسكري، بل قنبلة جيوسياسية يمكن أن تفجر تماسك الاتحاد الأوروبي ذاته. فرنسا قد تقترح "دمج القوة النووية الفرنسية تحت المظلة الأوروبية" مقابل عدم تسليح نووي ألماني. أما بريطانيا ــ الخارجة من الاتحاد ــ فقد تتعامل بتحفظ، لكنها لن تتمكن من منع برلين في حال انطلقت. أما دول أوروبا الشرقية، فإن مواقفها تتفاوت بين الترحيب بـ"الحامي الألماني" في مواجهة روسيا، والتخوف من ماضٍ لا يزال حاضرًا في الذاكرة القومية.

إذا انسحبت أمريكا كليًا أو جزئيًا من حلف الناتو، فإن ألمانيا ستكون أحد المرشحين لقيادة بديلة ــ عسكرية وتمويلية ــ لهذا الحلف أو لصيغة أوروبية دفاعية جديدة. هذا الدور لا يمكن ممارسته دون جيش قوي، وربما، قوة نووية مستقلة أو مندمجة.

ألمانيا اليوم تقف عند مفترق طرق تاريخي: أن تبقى حبيسة ذاكرة الحروب، في عالم تتقدم فيه لغة القوة. أو أن تنهض كقوة مسؤولة، تُعيد التوازن إلى أوروبا وتضمن أمنها القومي، ولو على حساب بعض الخطوط الحمراء التاريخية.

في النهاية سيعتمد القرار الألماني على مزيج من التهديدات الخارجية، والمخاوف الداخلية، والمواقف الأوروبية والدولية. لكن الواضح أن ألمانيا تتحرك، وأن زمن تراجعها الاستراتيجي بات خلفها .