د. محمود خليل يكتب: سمسار الأنفار


عبر المذكرات التى سجّلها كبار الأدباء والعلماء والباحثين فى مصر المحروسة اختزنت الذاكرة الشعبية الكثير من الحكاوى حول فرقة العمال المصرية، خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية. واحدة من المذكرات التى رصدت الزاوية الاقتصادية أو الربحية فى العمل لدى السلطة الإنجليزية مذكرات الباحث الاجتماعى الفذّ الدكتور «سيد عويس».
يشير «عويس» إلى أن كلمة «الأنفار» كانت تُستخدم فى وصف العمال الذين ينضمون إلى كتائب العمل لدى السلطة الإنجليزية، ويتولى جمع هؤلاء الأنفار سماسرة محترفون، يأخذون «سمسرتهم» على كل رأس يقدّمونها للسلطة، وكانوا يقبضون من الطرفين: العامل الحالم بالمكاسب الكبيرة التى سيفوز بها، والإنجليز الذين يطلبون توريد أعداد معينة من العمال فى تخصّصات مختلفة للعمل لديهم. يحكى «سيد عويس» قصة واحد من هؤلاء السماسرة، واسمه «إسماعيل عمران»، ويقول عنه إنه أحد أعيان قسم الخليفة -حيث عاش الكاتب الراحل- وكان مسئولاً عن تجنيد الشباب الذين يريدون العمل مع السلطة، وكان الواحد منهم يوقّع استمارة التجنيد نظير مبلغ معين يأخذه «عمران»، والذى كان يأخذ من الجيش الإنجليزى أيضاً معلوماً عن كل نفر مجند.
كان الأنفار يذهبون مع الإنجليز -وهم يرتدون ملابس جنودهم- إلى الشام وأوروبا، وكل المواقع الأخرى التى يتحرّكون إليها، ويحصدون نتاج عملهم أموالاً وفيرة، تنقلهم نقلة اجتماعية واقتصادية مُعتبرة بعد عودتهم إلى مساقط رأسهم. والمحظوظ من بين هؤلاء من يُثبت أنه أصيب بمرض خلال فترة عمله مع الإنجليز، فكان يتقدّم بطلب للعرض على لجنة، فإذا أثبتت الإصابة، دفع له الإنجليز مبلغ تعويض محترم، ويحكى «سيد عويس» أن النفر الذى قبض تعويضاً كان يسلك إحدى وجهتين، إما وجهة التجارة، وإما وجهة الكيوف.
واجه الأنفار الذين حاولوا استثمار الأموال التى كسبوها من السلطة فى التجارة الكثير من المشكلات، نتيجة الأزمة المالية العالمية التى كان لها صدى على بلادنا خلال فترة الثلاثينات، إذ لم يكن فى يد الناس المال الذى يشترون به، فركدت البضائع فى المحال والدكاكين والمتاجر، وخسر أصحابها الكثير من مالهم نتيجة ذلك، وهناك من الأنفار من قرّر أن يشترى رأسه! فأهلك المال الذى كسبه وأهلك معه صحته فى الكيوف: من حشيش وكوكايين، وكان الشمامون يظهرون لأول مرة على مسرح الحياة فى مصر.
أيام صعبة كثيرة عاشها المصريون، تحايلوا فيها على الحياة، وحاولوا مواصلة العيش بالاجتهاد بكل أدوات الكسب المتاحة أمامهم، حتى لو تمثّلت فى العمل لدى السلطة المحتلة، ولكن لأن الأرباح التى كانت تأتى من العمل توصف بأنها «بنت الأزمة» فكثيراً ما كانت تذهب هباء، إما فى تجارة خاسرة، أو فى كيوف تغدر بصحة صاحبها وتورده موارد الهلاك. قليل من هؤلاء من نجح فى الحفاظ على ما حصل عليه من أموال من خلال العمل مع السلطة، وأجاد فى استثمارها، فزادت وربت وأنبتت، فتحول من شخص عادى داخل الحى الذى يعيش فيه إلى عين من أعيانه، مثلما حدث مع «إسماعيل عمران» الذى كان عيناً من أعيان «الخليفة»، كما حكى الدكتور سيد عويس حكايته.