بعد تسليمها لسدنة بيت الله.. تعرف على تفاصيل أول كسوة للكعبة
بعد تسليمها لسدنة بيت الله.. تعرف على تفاصيل أول كسوة للكعبة
على مرّ العصور، تجلّت الكعبة المشرّفة في قلوب المسلمين بوقارها وهي تتزين بكسوتها السوداء المطرزة بخيوط الذهب، والمزدانة بآيات من القرآن الكريم، في مشهد يبعث في النفوس الهيبة والخشوع، ورغم أن أجيالًا من المسلمين اعتادت رؤية هذا الثوب المقدس يلفّ الكعبة في القرون الماضية، حين كانت الكسوة تُرسل من مصر إلى الحجاز في موكب مهيب، فإن القليلين فقط يعرفون قصة أول كسوة للكعبة، وكيف بدأت هذه العادة التي تحوّلت إلى رمز من رموز التقديس والتكريم لبيت الله الحرام، وفي هذا السياق، نعود بالتاريخ إلى الوراء لنستعرض بدايات هذه التقاليد المباركة، ونكتشف كيف كانت أول كسوة للكعبة، من كتاب «أسرار الكعبة المشرّفة» للكاتب أحمد حلمي مصطفى.
تعرف على تفاصيل أول كسوة للكعبة
كُسيت الكعبة في الجاهلية والإسلام أنواعًا مختلفة، منها الخَصْف والمعافِر، والمِلاء، والوَصائل، والعَصْب، والعَصْب هو برود يمانية، والوَصائل: جمع وصيلة، وهي ثوب أحمر مخطط يماني، والمِلاء: جمع ملاءة، وهي ثوب لين رقيق، والمعافِر: اسم بلد سُمّيت به الثياب المعافرة التي تُصنع فيه، والخَصْف: جمع خصفة، وهي الثوب الغليظ، والمسوح: جمع مِسح، وهو ثوب من الشعر غليظ.
واختلف المؤرخون في أول من قام بكسوة الكعبة المشرفة، فقيل إن أول من كساها نبيّ الله إسماعيل، وقيل الحفيد الخامس لنبيّ الله إسماعيل، عدنان بن أُدّ، وقيل إن أول من كسا الكعبة عدنان، كساها أنطاع الأُدُم بعد إسماعيل، والأنطاع: جمع نَطع، وهو بساط من الجلد، القباطي: جمع قبطية بالضم، وهو ثوب من ثياب مصر رقيق أبيض، كأنه منسوب إلى القبط، وهم أهل مصر، لكن الثابت أن أول من كساها هو «تُبّع أبو كرب أسعد» ملك حِمْيَر سنة 220 قبل الهجرة.

وروى الحاكم عن ابن عباس قال: «أقبل تُبّع يريد الكعبة، حتى إذا كان بِكُراع الغميم، وهو اسم لمكان في الحجاز بين مكة والمدينة، بعث الله عليه ريحًا لا يكاد القائم يقوم إلا بمشقة، ويذهب القائم ثم يقعد، فيُصرع، وقامت عليه، ولقوا منها عناء، ودعا تُبّع حبريه فسألهما: ما هذا الذي بُعث عليّ؟ قالا: أتؤمننا؟ قال: أنتم آمنون، قالا: فإنك تريد بيتًا يمنعه الله ممن أراده، قال: فماذا يذهب هذا عني؟ قالا: تجرّد في ثوبين، ثم قل: لبيك لبيك، ثم ادخل فطف بذلك البيت، ولا تَهِجْ أحدًا من أهله، قال: فإن أجمعت على هذا، ذهبت هذه الريح عني؟ قالا: نعم. فتجرّد، ثم لبّى». وقال ابن عباس: «فأدبرت الريح كقطع الليل المظلم».
شعر في أول كسوة للكعبة
فكان تُبّع أول من كسا الكعبة كسوة كاملة، حيث كساها بالخَصْف، ثم كساها بالمسوح والأنطاع، ثم كساها بالمِلاء والوَصائل، وجعل لها بابًا يُغلق بضَبّة فارسية، ومفتاحًا، وقال تُبّع في ذلك شعرًا، قال:
وكسونا البيتَ الذي حرّم اللهُ.. مِلاءً مُعضّدًا وبُرودا.
فأقمنا به من الشهر عشرًا.. وجعلنا لبابه إقليدا.
ونحرنا بالشِّعب ستة آلاف.. فترى الناسَ نحوهن وُرودا.
ثم سرنا عنه نومَ سُهيلا.. فرفعنا لواءَنا معقودا
وقد تأثّر تُبّع الحِمْيري بزيارته هذه للكعبة تأثرًا بالغًا، ولذا أوصى قبل أن يُغادر مكة، وقبل أن يرحل إلى بلاده – اليمن – ولاة مكة من قِبل جُرْهم بالعناية بالكعبة، وأمرهم بتطهيرها وألا يقربوها دمًا ولا ميتة، وكذلك تأثّر بعض الناس، على اختلاف طبقاتهم، بكسوة الكعبة تأسّيًا بتُبّع، وأخذوا يهدون إليها الأكسية المختلفة، فتتجمع لدى سَدَنة البيت وولاته من جُرهم وخُزاعة، فيحتفظون بها، فإذا بلي ثوب، أبدلوه بثوب جديد.