مدربون يكشفون أسرار «ملوك الغابة» بالسيرك: عالم المفترسات يحتاج للدراسة والتحلي بالحكمة والصبر

كتب: حبيبة فرج

مدربون يكشفون أسرار «ملوك الغابة» بالسيرك: عالم المفترسات يحتاج للدراسة والتحلي بالحكمة والصبر

مدربون يكشفون أسرار «ملوك الغابة» بالسيرك: عالم المفترسات يحتاج للدراسة والتحلي بالحكمة والصبر

لم يكن يتوقع محمد بسطويسى، أحد أبناء محافظة الشرقية، أن يتحول يوم عمله العادى فى السيرك إلى كابوس يغير مجرى حياته للأبد، فبينما كان العشرينى يساعد إحدى مدربات الأسود فى تجهيز القفص ويربط أسداً، وهى المهنة التى يختص بها منذ سنوات، باغته نمر كان يتحرك داخل القفص فى لحظة خاطفة لم تُتح للشاب أى فرصة للهرب، وهاجمه بشراسة، ومزق ذراعه أمام أنظار الجميع.

الحادثة المأساوية أعادت تسليط الضوء على الوجه القاسى والخفى لعالم تدريب المفترسات فى السيرك، الملىء بالمخاطر التى لا ترحم لحظة غفلة أو خطأ بسيطاً، وهو الأمر الذى كلفه ذراعه أمام أعين الكاميرات التى وثقت الواقعة بجميع تفاصيلها المؤلمة، هذه الحادثة ليست الأولى من نوعها؛ ففى عام 1997 شهد «سيرك الحلو» واقعة مأساوية حين لقى شاب يبلغ من العمر 16 عاماً حتفه إثر هجوم من أسد أثناء تقديم الطعام للأسود، وفى عام 2014، تعرض المدرب مدحت كوتة لهجوم مفاجئ من أسد أفريقى أثناء محاولته فض شجار بين أسدين، ومن بين أشهر الحوادث التى حدثت فى عالم تدريب الأسود، حادثة محمد الحلو المروعة فى السبعينات، حيث تعرض المدرب لهجوم قاتل من أسد، كما شهدت محافظة الفيوم منذ عدة أشهر حادثة مشابهة عندما لقى عامل مصرعه إثر هجوم أسد عليه أثناء تقديم الطعام له.

تفسير ما يحدث داخل قفص الأسود يتطلب مراجعة دقيقة لكل الأمور التى تحدث خلال تدريب المفترسات منذ صغرها، لمعرفة أسباب هجومها على مدربيها، خاصة أن الواقعة تكررت كثيراً خلال السنوات القليلة الماضية، وهو ما يتحدث عنه حسام خلف، مدرب أسود فى إحدى الحدائق الخاصة، ويقول إنه لا يروض مفترساً بل يربيه، وينشئ علاقة قوية معه، حتى يطيعه وينفذ أوامره عندما يكبر، مؤكداً: «التدريب يبدأ من اللحظة الأولى للولادة، بناخد الأشبال آخر 10 أيام رضاعة بنفطمهم من الأم ونرضعهم بإيدينا، علشان نبنى أُلفة وثقة بيننا، ودى هى اللى بتنقذ حياتك بعد كده لو حصل خطأ فنى، وده وارد يحصل».

الأخطاء الفنية التى يشير إليها المدرب «حسام»، يتحدث عنها محمد اليمانى، مدرب أسود السيرك، موضحاً أن هناك أخطاء شائعة يرتكبها بعض المدربين تؤدى إلى حوادث مؤسفة، من بينها الدخول على الأسود وقت تناول الطعام، وهو ليس معتاداً على وجودها، أو أن يقرر المدرب فجأة إعطاء وجبة باليد بدلاً من العصاية، مؤكداً: «ممكن فى اللحظة دى الأسد يهاجم، وده لأنه بيتعلم النظام من صغره، ولو خالفت اللى هو اتعود عليه، هيتصرف على أساس إنك خطر». ويشير إلى أن أخطر الأوقات التى لا يُنصح فيها بالتعامل المباشر مع الأسود هى فترات التزاوج، قائلاً: «وقت الجواز، الأسد بيتحول، مهما كنت قريب منه، مش هيعرفك، حتى لو فيه بينك

وبينه سور حديد، ممكن يهجم عليك لمجرد إنك موجود فى المكان لأن مزاجه مابيكونش رايق».
تقلب المزاج ليس حكراً على البشر فقط، بحسب «اليمانى»، الذى يؤكد أن الأسود «مودها» مُتغير، موضحاً: «قبل العرض، ممكن بعض الأسود ترفض الطبطبة، ودى إشارة لازم المدرب يفهمها علشان يحافظ على حياته».
فى حالات هجوم الأسود على مدربيها تتم معاقبتها وعزلها عن قطيع العرض، على أن يتم إعادة تأهيلها مرة أخرى، بإعادة إدخالها فى العروض بشكل تدريجى، مع الاستمرار فى التدريب دون توقف ويومياً، حسبما يشير المدرب حسام خلف.

«التدريب ليس مجرد إطعام أو تسلية، بل دراسة سلوك، قراءة مشاعر، ومراقبة ردود الفعل»، وهو ما يوضحه المدرب حسام خلف قائلاً: «الشبل من وهو صغير بنشوف هل عنده غريزة هجومية؟ بيخاف؟ بيعض؟ بيهرب؟ وكل حاجة بتبان من بدرى، ومن هنا بنقدر نحدد طريقة التعامل مع الأسود».

وما يراه البعض ترويضاً، يراه المدرب فرقاً بين بيئتين؛ سيرك وغابة، مؤكداً أن «المفترسات فى الغابة بتعيش حرب علشان تاكل، تجرى مسافات علشان تصطاد، ممكن تتعور، أو تخسر فريستها أصلاً، وعمرها فى الغابة ما بيعديش 15 سنة، لكن فى السيرك أو الحديقة، بياكل فى مواعيد، بيرتاح، بنتابع صحته، وده بيخلى عمره يوصل لـ25 سنة، وفى حالات نادرة 30 كمان».

يتفق «اليمانى»، مدرب أسود السيرك، مع ما سبق، مؤكداً «باتعامل معاهم على إنهم ولادى باربيهم على إيديا، وأفهمهم من نظرة عنيهم ليا»، مضيفاً: «الأسود عندها قابلية للتعلم وذكاء شديد، بس فيه منها اللى استيعابه بطىء، علشان كده وقت البروفات لازم أحاول أغير سلوك الأشبال سواء كانوا مولودين عندى أو شاريهم من حد تانى، لأن العمر المناسب لتعديل سلوكيات الأسود بعد الفطام مباشرة».

وتابع: «باشترى أشبال من مصادر معينة، لأن البيع ممنوع لغيرنا كمدربين، ولما بيتولد عندى أشبال، بعد فترة حمل 3 شهور، وبعد شهرين بيتفطم، باخده عندى فى البيت، أكمل له رضاعة بالببرونة، علشان يتعود على الناس، وعلى الجمهور، ودى أهم مراحل تعديل السلوك».

تدريب الأسود، من وجهة نظر المدرب محمد اليمانى، يتطلب الحكمة والهدوء والصبر، ومحاولة معرفة صفاتها وخصائصها، وتطوير سلوكها لتجنب هجماتها فى العروض أو خلال التدريبات، قائلاً: «لما الشبل بيوصل 18 شهر أبدأ معاه بروفات تدريبية باللحمة، علشان أفهم هو ذكى؟ عنده موهبة؟ يعنى أراقب سلوكه، وأحاول أبنى علاقة شخصية بينى وبينه»، يتعامل الأسد مع مدربه على اعتبار أنه فرد من أفراد القطيع، بل يعتبر أنه المسيطر على القطيع بأكمله، فلا بد أن يكون المدرب قائداً، وأن يُشعر المدرب الأسد بأنه فرد من القطيع.

إذاً هناك أمور لا بد من أخذها فى الاعتبار عند التعامل مع الحيوانات المفترسة خلال التدريب، وهو أمر جعل معد التحقيق يطرح سؤالاً مهماً على المدرب، محاولاً معرفة سبب قيامه بالتلويح للمفترسات خلال التدريب بالعصا أو السوط، ليرد قائلاً: «العصاية مش للتعذيب، دى للتوجيه فقط لا غير، لأن لو بنعذب الحيوانات أو بنضربها، هتهاجمنا، العقاب بسيط، أوقات أشخط، أرفع صوتى، فيسكت، عندى خرزانة صغيرة، أستخدمها للإشارة مش أكتر، مفيش ضرب، ولا تعذيب، والكلام اللى بيتقال عننا ده غلط».

من بين الأمور التدريبية الصعبة التى يؤديها مدربو السيرك مع الأسود حركة القفز من ترابيزة لأخرى، ولكن «اليمانى» يملك تكنيكاً مميزاً يجعل حيواناته تؤدى تلك الحركة بشكل سهل، قائلاً: «حركة صعبة مش لأنها معقدة، لكن لأنها محتاجة واحدة واحدة، التدريب ماينفعش يكون مرة واحدة، وده لأن فيه أسد بيتعلم فى يوم، وفيه شهر على حسب ذكائه والمدرب».

وينصح المدرب بعدم التعامل المباشر مع أى حيوان مفترس، خاصة فى وقت التغذية الخاص، كما يجب الحرص على وجود أكثر من شخص أثناء الأكل واتخاذ الاحتياطات اللازمة، ووجود أدوات تستخدم للتأمين مثل خراطيم المياه شديدة القوة تضرب فى وجهه لتبعده عن الفريسة: «الكلام ده ماينطبقش على الأسود لوحدها لكن النمور والفهود والضباع وكل حيوان مفترس، وأنا شايف إنه لازم يكون فيه أنابيب من صاج يتحط فيها الأكل». هناك العديد من الصفات التى يجب أن يتمتع بها المدرب، بحسب المدربين الذين تواصل معهم معد التحقيق، الجميع اتفق على أنه لا بد أن يتمتع المدرب بالذكاء وقوة الشخصية وأن يكون لديه صبر.

وهنا يعود حسام خلف، مدرب أسود الحدائق، ويؤكد: «الأسد مش غدار، لكنه حيوان مفترس بيشتغل بغريزته، ولو حس بأى تصرف غير مألوف بيتعامل على أساس إنه تهديد مباشر لحياته، وده بيخليه يهاجم»، ناصحاً: «علشان نضمن إن دخولنا القفص آمن، قبل ما ندخل بنبص على سلوك الحيوان، لو لقيناه رايح جاى وبيطلب اللعب ومرتاح، بنفهم إن الجو آمن، لكن لو مزنجر، مركز معانا أكتر من اللازم، أو باين عليه العصبية، ما بندخلش القفص، لأنه بيكون فى حالة مش طبيعية وممكن يهاجم».

ينتقد المدرب حسام خلف ضعف إجراءات الأمان المتبعة فى بعض الأماكن التى تقدم عروضاً، مؤكداً أن «للأسف مفيش مدرب فى مصر معاه وسيلة أمان حقيقية، لا سلاح نارى ولا أدوات تدخل سريع، ولو حصل أى خطر، بنبقى فى مواجهة مصيرنا لوحدنا، وده خطر كبير». ويوضح «خلف» أن الحوادث المرتبطة بالحيوانات المفترسة ليست دائماً ناتجة عن إهمال أو تقصير من المدربين، بل هى فى كثير من الأحيان نتيجة لحظات لا يمكن التنبؤ بها، موضحاً أن الغريزة لا ترحم إذا فُتح لها الباب، مؤكداً أن «اللى يقول لك إنه بيشتغل فى مجال الحيوانات المفترسة وما حصلش له هجوم أو خربوشة، يبقى عمره ما دخل المجال ده أصلاً، كلنا اتعرضنا لحاجات بس بسيطة وسطحية».

وأوضح أن التعامل اليومى مع الأسود والنمور لا يخلو من المخاطر، حتى فى لحظات اللعب والمزاح، مشيراً إلى أن قوة مخالب هذه الحيوانات وحدها كافية لإحداث إصابات عميقة. قائلاً: «ممكن وسط الهزار يقطع لك التيشيرت، يخربش جامد، أو يعضك عضة مش مقصودة، هو بيتعامل معاك على إنك واحد من القطيع»، مشيراً إلى أن مخلب الأسد أو النمر أشبه بـ«خطاف»، قائلاً: «لما الحيوان يمسكك بمخلبه، بتكون شبه متثبت، زى ما بنشوف فى فيديوهات صيد المفترسات البرية لما النمر يضرب البقرة أو الجاموسة ويثبتها بمخلبه، كل ما تحاول تفلت بيتمكن منها أكتر».

من وجهة نظر المدرب حسام خلف، فإن هناك بعض المدربين لا يملكون الخبرة الكافية فى بناء العلاقة مع المفترسات، لذلك توجد معايير دقيقة للسلامة، يلتزم بها جميع مدربى ومروضى الأسود، سواء كان لاستعمالها فى فقرات السيرك أو فى حديقة الحيوانات أو للاقتناء الشخصى، وكل غاية لديها معايير مختلفة للسلامة، إذ إن طبيعة الأسد تختلف وفقاً للبيئة التى ينشأ فيها وما يقوم به فى حياته اليومية، بالرغم من أن تلك الحالات كلها خارج الغابة وبعيدة عن الطبيعة، إلا أن طبيعة الأسد فى كل حالة منها تختلف تماماً عن طبيعته فى الحالة الأخرى.