كلما اقترب موعد افتتاح المتحف الكبير ازداد قلق وتوتر الأحبة والعشاق والملوك والأمراء من العصر القديم، قلق من انتشار قصصهم وأسرارهم أمام العالم والرؤساء والملوك والفنانين ومشاهير القارات الست الذين تمت دعوتهم وستصل طائراتهم على التوالى كما لو كانت طيور العندليب التى تتجمع للاحتفال بموسم الربيع والتزاوج، ستمتلئ سماء القاهرة بكل تلك الطائرات وأعلام أصحابها وأسماء دولهم، وسيعلو أزيزها ليملأ الهواء إعلاناً عن وصولهم، وسيصطف رجال الموسيقات العسكرية ليعزفوا لكل وفد منهم سلامه الوطنى، ويصحبهم رجال التشريفات، وسرعان ما يتزاحمون فى الطرق حول المطار الدولى بمواكبهم وسياراتهم وحراسهم، فهم ضيوف القدماء المصريين، ولا بد من أن يعرف العالم كله ويسمع وتشاهد شعوبه على شاشات التليفزيون العملاقة فى الشوارع والميادين وليس داخل الحجرات المغلقة فقط أن العد التنازلى قد بدأ، وأن الستار على وشك أن يرفع عن أسرار الحب والتعاويذ التى حفرت على الصخور والحكايات التى تحملها جدران الأهرامات الثلاثة، ووثائق العهد، وخرائط الحروب التى سجلت أحلاماً بعضها تحقق والبعض لم يكتب له النجاح، وصور النساء يصنعن الخبز للجنود ورعاة الأغنام وأسماء الأبناء والأحفاد لهؤلاء الملوك وقصص الصراع على الحكم ومواسم الحصاد وصور الراقصات وضاربات الدفوف والشغيلة داخل القصور.
وفى لقاء نادر الحدوث ولم يتوقعه أحد من المنجمين أو قراء الطالع وضاربى الودع سيقف أبناء القرن الواحد والعشرين صفوفاً طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة ليدلفوا إلى وسط أوراق ووثائق وحجرات أصحاب ذلك التاريخ، سيقفون علّهم يستطيعون التسلل والوصول إلى تلك الحجرة التى يبحث عنها كل الأثريين حول العالم، حجرة أسرار الهرم الأكبر.
كل هؤلاء هم الشهود الذين سيتجمعون ليشهدوا هذا الافتتاح، وبدء عصر جديد للأجداد، عصر تعانق فيه التكنولوجيا السحر والجمال والغموض وكلمات الحماية والحفظ والنجاح والوصول لسر الوجود.
وبينما يسابق الجميع الزمن لإنهاء الترتيبات اللازمة لحفل الافتتاح، يجرى إلى جوار تلك الاستعدادات مناقشات حول تلك النظريات التى تناقش كيفية بناء الأهرامات، لعل أكثرها أهمية ذلك المشروع الذى نفذته وزارة السياحة والآثار بالتعاون مع كلية الهندسة فى جامعة القاهرة ومعهد الحفاظ على التراث والابتكار فى باريس والذى اعتمد على واحدة من هذه النظريات التى حاولت تفسير عملية بناء الهرم من خلال تصور يقول إنه كانت هناك ممرات حلزونية داخل الهرم كانت تستخدم فى رفع الأحجار إلى الأجزاء العلوية.
وبحسب الموقع الرسمى لوزارة السياحة والآثار المصرية، فإن الهرم الأكبر بنى من الحجر الجيرى المحلى، فى حين كان مغطى قديماً بالكامل بكساء من الحجر الجيرى عالى الجودة، وقد تم جلب أحجار الكساء من محاجر طرة عن طريق مراكب تصل حتى الهرم. ويؤكد هذه المعلومات خبراء آثار مصريون، حيث ينفون الأنباء التى تتردد على وسائل التواصل الاجتماعى بأن أحجار هرم خوفو تختلف عن الأحجار التى بنى بها هرما خفرع ومنقرع، حيث لا تعتمد على أى أساس علمى، وقد ناقشوا فى ندوات وأبحاث تلك الادعاءات ووصلوا فى النهاية إلى حقيقة علمية توضح أن أحجار الهرم الأكبر لا توجد فيها أى نتوءات هواء وأنها طبيعية ووصفوا المنشورات التى روجت تلك المقولة بأنها مجرد خيالات، وليبقى الحوار مستمراً والبحث على قدم وساق وسط مجتمع الأثريين حول الأبواب السرية للهرم الأكبر، فبعد أن أرسل عالم الآثار المصرى زاهى حواس عام ٢٠٠٢ روبوتات داخل الهرم الأكبر بعد اكتشاف فتحات فى الحجرة الثانية والتى قادتهم إلى الفتحة الشمالية بالحجرة فوجئ الباحثون بفتحة بعد ٨ أمتار من بدايتها وفسر وجودها علماء الآثار بأنها لبراعة المصريين القدماء فى المعمار قاموا باختيار وتحديد المسافة ليتفادوا البهو العظيم داخل الهرم، وقد توقف الروبوت بعد ذلك عند تلك النقطة أمام باب من الحجر الجيرى به مقبض من النحاس، لتظل هذه الأسرار وراء الأبواب المغلقة بعد كل هذه الأعوام ولا مانع من الانتظار لنرى ما سيحدث بعد الافتتاح الكبير.