ما تعلمته من الناس (1)

نعم، تعلمت كثيراً من الناس، وأؤمن بأنهم هم الأساس، لذا يروق لى تأمل أحوالهم، ورؤية نفسى بينهم، وتحديد مكانى فى زحامهم. زحام الكادحين الذين يجاهدون بلا كلل ولا ملل، ويحفرون فى الصخر، كى يبقوا على قيد الحياة.
لهذا آثرت العيش بين هؤلاء، رافضاً كل العروض التى تتابعت أمامى كى أسكن بعيداً عن قلب «القاهرة»، وكلما تعجب أصدقائى من إصرارى على البقاء فى شوارع تضيق بالأقدام اللاهثة، أتلو عليهم بالحكمة التى سمعتها ذات يوم من الخبير الاجتماعى «على فهمى» وأدركت معانيها ومراميها مع الأيام، وهى: «عشة فى وسط البلد أفضل من قصر على أطراف المدينة».


طالما أردد بلا توقف: «الشعب هو صاحب المال والسيادة والإرادة والشرعية»، ويزداد إيمانى بهذا كلما قلبت صفحات الحوليات التاريخية، لأرى كيف تمضى الحياة فى بلادنا على أكتاف بسطاء، أنا مدين لهم بأشياء كثيرة فى حياتى.


مدين لتجاربهم العديدة العميقة التى تصلح كل منها رواية لى، إن عرفت صاحبها أكثر، أو دراسة حالة فى علم الاجتماع إن أدركت الظروف التى أحاطت بها بشكل أعمق، أو رأيتها ضمن اشتباكها مع تصرفات الآخرين ومساراتهم ومصائرهم.


لا أنسى أننى حين تركت مصر أربع سنوات لم أرزق فيها سوى بقصة قصيرة واحدة عن مجتمع الغربة، وكل ما كتبته كان حنيناً جارفاً إلى مسقط رأسى. فى تلك السنوات كان يتهادى لى حلم متكرر فى نومى، حيث أرى نفسى أرتفع عن الأرض، وأطير فى الهواء، أرفرف بذراعىّ وساقىّ وأعلو فوق شواشى النخيل، وتحت السحاب، لأرى بيوت قريتى الخفيضة تتساند بعضها على البعض بين الزرع والجسور، وتحت سماء حانية.
حين أستيقظ، أستعيد الحلم متلذذاً به طويلاً، وأقول لنفسى:


ـ إنه توق إلى الحرية، إلى البراح فى رحاب قريتى، إلى أيام البراءة التى ولت.


وحين عدت من غربتى قلت لصديق، لم تطله حرفة الأدب، ونحن نجلس على المقهى، انظر حولك، لتدرك كيف ألتقط قصصى؟ وكيف تلهمنى وجوه البسطاء العابرين؟


كان المقهى فى منطقة «أبوالريش»، جلس عليه ذات أيام بعيدة الشاعر «بيرم التونسى» طويلاً، وكتب، بعرق الناس على إحدى طاولاته المتداعية، كثيراً من قصائده الجميلة. فى المكان نفسه جلست بعد ظهر يوم جمعة، ورميت بصرى فإذا بسيدة تحايل صغيرها الذى يتمرد على المضى معها فى طريقها، تقف وتهدهده، وتحدثه بصوت يصل إلى سمعى، فيستجيب لها، ثم لا يلبث أن يسحب يده من يدها، ويتوقف راغباً فى العودة إلى الخلف، أو يجلس على الأرض متشبثاً بمكانه لا يريد أن يبرحه.
قلت لصاحبى ضاحكاً:


ـ هذه قصة قصيرة.


ولم تمض سوى دقائق حتى ظهر عجوز يحط على كتفيه عمودى عربة كارو، محمّلة ببضائع يوزعها على الأكشاك. كان يقف برهة، فى وقدة الشمس الحارقة، يمسح عرقه بطرف جلبابه، ويعيد اتزان العمودين على كتفه، ثم يسحب على مهل، دون أن يئن. راقبته حتى اختفى تحت «الكوبرى» الواصل بين حى «المنيرة» وحى «زين العابدين»، وقلت لصاحبى:


ـ حياة هذا الرجل إن أتيح لى معرفتها ستكون، دون شك، رواية واقعية بديعة.


أتذكر أننى فور عودتى، هرعت إلى «عربة فول» تقف فى ساحة ضيقة بين البنايات التى تقع خلف ميدان «التحرير» بين شارعى «التحرير» و«محمد محمود»، ودفعت جسدى بين المتزاحمين، يأكلون فى نهم. لم يكن بالنسبة لى طعاماً فقط، رغم أننى ظللت أشتهيه سنتين ونصف غبت فيها عن مصر، بل كان أيضاً طقساً إنسانياً فى بلادى، إن تأملته أمدنى بالكثير فى دنيا السرد والشعر والاجتماع.