الأمن القومي أولوية قصوى

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

في ظل الأوضاع الإقليمية المتوترة، وفي لحظة دقيقة من توازنات السياسة الخارجية، تجد الدولة المصرية نفسها مجددًا في مواجهة محاولة غامضة لاختراق حدودها الجنوبية الغربية مع قطاع غزة، تحت غطاء "نشطاء" قادمين من دول متعددة، يسعون – كما يزعمون – إلى التعبير عن التضامن مع القضية الفلسطينية، من خلال الوصول إلى الحدود المصرية الفلسطينية في رفح. غير أن السلطات المصرية، بما تملكه من خبرات أمنية واستراتيجية طويلة، لم تنخدع بالشعارات الفضفاضة، واتخذت القرار السيادي المناسب بترحيل عدد من هؤلاء الأفراد فور وصولهم، بعد أن تبيّن عدم تطابق تأشيرات دخولهم مع الغرض المعلن، وظهور دلائل على وجود أهداف غير معلنة قد تمسّ الأمن القومي المصري.

في مبدأ السياسة المصرية الراسخ، لا شيء يعلو فوق مصلحة الوطن وأمنه القومي. ومهما كانت الشعارات التي تُرفع، فإن الدولة المصرية – بتاريخها الطويل من صيانة حدودها وقرارها السيادي – ترفض بشكل قاطع أي محاولة لاختراق الحدود أو المساس بالمجال السيادي الوطني، حتى وإن جاءت مغلّفة بثوب "نشاط إنساني" أو "تضامن سياسي". فالسيادة لا تُساوم، والأمن القومي ليس محل مقامرة .

ما يزيد من الريبة تجاه هذه المسيرة هو أنها لم تحمل معها – كما تفعل عادة القوافل الإنسانية – أي مساعدات حقيقية من دواء أو غذاء أو معدات طبية لأهالي غزة، الذين يواجهون ويلات العدوان والحصار. بل على العكس، بدت المسيرة أشبه بتحرك سياسي أو استعراضي، لا هدف له سوى التمركز عند النقطة الحدودية، في رسالة رمزية تخفي أكثر مما تعلن، وتستدعي تساؤلات جوهرية حول من يقف وراءها، ومن يحركها، ولصالح من تعمل.

من اللافت في هذا الحدث أن الرأي العام المصري، بكل تياراته تقريبًا، ساند موقف الدولة في منع دخول هذه المجموعة، ورأى فيه تعبيرًا مسؤولًا عن حرص القيادة السياسية على عدم السماح بأي اختراق محتمل. فقد بات الشعب المصري واعيًا بمخاطر اختراقات سابقة تمت تحت شعارات براقة، وانتهت إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة أو توريط الدولة في صراعات .

جاءت هذه المحاولة في توقيت بالغ الحساسية، حيث تشهد المنطقة تصعيدًا مستمرًا في غزة، وضغوطًا متزايدة على مصر باعتبارها الدولة الوحيدة التي ما زالت تدير معبرًا مفتوحًا نسبيًا أمام الحالات الإنسانية. ومن هنا، فإن افتعال أزمة حدودية في هذا التوقيت قد يكون جزءًا من خطة أوسع لتوريط مصر أو لإحراجها دوليًا، وهو ما لم ولن تسمح به الدولة المصرية، صاحبة القرار المستقل.

إن استخدام مصر لقانون التأشيرات كأداة لمنع من لا يعلنون نواياهم بوضوح من دخول أراضيها، هو

إجراء سيادي مشروع ومألوف في العلاقات الدولية. فحين تتقدم مجموعة بطلب دخول لأغراض سياحية، ثم يظهر أن غرضها الحقيقي هو التجمع على حدود منطقة صراع، فإن من حق الدولة – بل من واجبها – أن تتخذ الإجراء المناسب حماية لأراضيها وشعبها.

من المهم التفرقة بين الدعم السياسي أو الإنساني للقضية الفلسطينية – وهي قضية تتصدر أولويات السياسة الخارجية المصرية – وبين التورط في أفعال عشوائية قد تُفسر دوليًا على أنها تجاوزات للحدود، أو دعم لحركات غير شرعية. مصر تدعم الفلسطينيين سياسيًا وديبلوماسيًا وتمدهم بالمساعدات، لكنها ترفض أن يُفرض عليها نمط بعينه من "الدعم" الذي قد ينتهي بجرها إلى صدامات هي في غنى عنها.

لقد علّمتنا تجارب العقد الماضي أن بعض التحركات المجهولة، وإن رفعت لافتات حقوق الإنسان أو التحرير، كانت في جوهرها أدوات لزعزعة الدول، ووسائل لخلق الفوضى الخلاقة، وفق نظريات باتت مكشوفة ومفضوحة. ولذا، فإن الحذر من تكرار هذا السيناريو صار ضرورة أمنية، وليس مجرد خيار.

بعض التقارير تشير إلى أن السلطات المصرية أجرت تنسيقات مسبقة مع جهات دولية بشأن هذه المجموعة، وتلقت ما يكفي من الإشارات حول التباينات بين ما هو مُعلن وما هو خفي في نيات بعض المشاركين. وهذا التنسيق جزء من السياسة المصرية المتزنة، التي تراعي علاقاتها الدولية ولكن دون التفريط في مصالحها.

لمن يحاول الزج بمصر في خانة المتهم أو المعرقل، يجب أن يتذكر أن القاهرة فتحت أبوابها دومًا لمعالجة القضية الفلسطينية، وكانت وسيطًا نزيهًا ومفتاحًا للتهدئة والحلول. لكن الدور المصري القيادي لا يعني أن تُفرض عليها اختراقات خارج القانون، أو أن تتحول حدودها إلى ساحة للمزايدات الإعلامية.

إن هذا الحدث يؤكد مرة أخرى أن الدولة المصرية – بكل مؤسساتها – تظل يقظة، واعية، حاسمة في قراراتها، تدرك الفارق بين الدعم الحقيقي وبين محاولات التسلل تحت عباءة النشاط الإنساني. ولعلّ رسالة هذه الواقعة واضحة: لا مكان على الأرض المصرية إلا لمن يحترم سيادتها، ويعلن نواياه بصدق، ويقف إلى جانبها في مواجهة الأخطار، لا أن يزرع بذور الفوضى باسم "التضامن".