ناصر عبدالرحمن يكتب: الشخصية المصرية (26) العقيدة والجندية
تجمع بين العقيدة والجندية، هكذا تملك الشخصية المصرية مزيجاً بين العقيدة والجندية منذ مصر القديمة والشخصية المصرية، شخصية تملك عقيدة التوحيد، وهذه العقيدة فى جينات المصرى، بناء شخصيته تعتمد على العقيدة فى فطرة وتلقائية، الهرم الأكبر خوفو هو تجلٍّ لعقيدة التوحيد، خوفو ليس ملكاً، خوفو إعلان عن عقيدة التوحيد، خوفو يتم استغلاله الآن لتغيير صورته وتفعيل هوية أخرى منظمة تهدف إلى تغيير هوية التوحيد الأصيلة، كذلك كلما نقشت على جدران المعابد دلائل توحيد، تجد الحديث عن الحساب، عن الجنة، عن النار، تجد المومياء وحولها أعمالها أمام كفتى الميزان.
كتاب الموتى توحيد، إسلام السحرة وإيمانهم برب موسى توحيد، نقش سيرة الأنبياء سيدنا إبراهيم وسيدنا عيسى وستنا مريم توحيد، استقبال المصريين لستنا مريم وولدها فى دروب مصر توحيد، جبل الطور الذى شهد كلام رب العالمين لسيدنا موسى توحيد، جبل المقطم وما فيه من أنبياء وقديسين وأولياء توحيد، قصة إيزيس وأوزوريس توحيد، حياة الشخصية المصرية فى مصر القديمة توحيد، طريقة حكم ملوك مصر القديمة والاهتمام بتشييد المعابد وطقوس الكهنة وتقديس تجليات الكون والتعامل الأخلاقى فى تفاصيل حياته توحيد، علاقة المصرى بأهله أخلاق توحيد.
التوحيد فى الشخصية المصرية حماية لها من الفرقة، حكايات الشخصية المتوارثة من مصر القديمة إلى اليوم يجمعها عنصر أساسى واضح هو التوحيد، الشخصية المصرية لها رادع أكيد، وهو الخوف من الذنب، الخوف من غضب الرب، علاقة الشخصية المصرية بالنيل علاقة تبجيل، علاقة أخلاقية وتقديس تتعامل الشخصية المصرية مع النيل على أنه مظهر وتجلٍّ ربانى.. فى عصر الرومان كان المصرى يقاوم الاحتلال الرومانى، يهرب الرهبان فى الكهوف والجبال لأنهم متدينون، قوة المسيحية فى مصر لتديّن أهلها أن فطرة الشخصية المصرية متدينة تجعلها ترفض أى فكر ضد التدين والتوحيد.
الفلاح المصرى.. قوة وصلابة الفلاح المصرى فى تدينه وتوحيده، يصلى الفجر ويذهب إلى أرضه ليرى الأرض الطينية، كيف يتجلى منها الزرع الأخضر والقمح الأصفر والقطن الأبيض، فيعلم أن التوحيد سر كل تجلٍّ، عندما قرّر محمد على إعادة الجيش، فنهض سليمان الفرنساوى الذى عاش ومات فى القاهرة، سليمان الفرنساوى الذى اعتمد فى تكوين الجيش على الشخصية المصرية، لتفاجأ الشخصية المصرية بجيش مصرى قوى، يهز العالم كله، يشق إبراهيم باشا الأرض بأقدام الجندى المصرى العظيم، وتتجاوز به المقدّرات ويهدّم به التحديات، الجندى المصرى كالجبال، كالأسرار، يغير الجغرافيا ويصنع التاريخ.
قام الجندى المصرى أيام محمد على باشا بهد أسوار الاحتلال التركى ليصنع الجندى المصرى المستحيلات، يهزم جيش الأتراك ويدخل الشام، ويحرّر الحجاز ويهزم جيش أوروبا حتى حدود فرنسا، يتكالب عليه الاستعمار الأوروبى ويحدّد الحدود، ويخترع جغرافيا التقسيم ويكتب تاريخاً مزوراً، حتى لا يتذكر العالم أن الجندى المصرى عندما يتحرّك فإنه يتحرّك بعقيدة تحول الأرض أمامه إلى سلالم يصعد عليها إلى اللامعقول، الشخصية المصرية تمزج بين العقيدة والجندية.
عند دخول الإسلام مصر، بشّرنا القرآن بالأمان، وبشرنا سيدنا محمد بالخير، وتحدّث عن المصريين بأنهم فى رباط إلى يوم الدين، وقال عن جيشها «اتخذوا فيها جنداً كثيفاً»، ومعنى فيها أى فى مصر، لأن مصر عقيدة وجندية، فهم مزج إلى درجة الانصهار والفناء بين العقيدة والجندية، فى الشخصية المصرية يتجلى الولاء والانتماء، لأنه تجلٍّ عن عقيدة، والعقيدة تخلق روح جندى ربانى، جندى ليس كأى جندى أنه نبت عقيدته، لا يهرب ولا ييأس يستشهد عن طيب خاطر يستشهد، ولا يترك أرضه، يستشهد ولا يتخلى عن وطنه، هكذا فطرته، وهكذا تاريخه وجغرافيته.
لا يحارب الجندى المصرى إلا عن عقيدة، منذ حروب مصر القديمة، أيام رمسيس الأول والثانى والثالث، ولا يخرج بجيشه من مصر إلا عن عقيدة، خرج يحارب إثيوبيا بسبب تقديسه للنيل، وعندما حارب الاحتلال التركى كان عن عقيدة، وعندما تحولت البيوت المصرية إلى قلاع، عندما تحول الأب المصرى إلى جندى قاوم الاحتلال الإنجليزى والاحتلال الفرنسى كان عن عقيدة، عندما تحولت المصرية إلى جندية تقاوم الاحتلال الفرنسى والإنجليزى والعدوان الثلاثى كان لتحمى وطنها وأسرتها وأولادها، الجندية المصرية ليست فى الحرب فقط، لكنها فى بيتها، فى عملها، فى مقاومتها للحياة الصعبة، المصرى شخصية روحها العقيدة وأخلاقها أخلاق جندية، الشخصية المصرية قلب واحد، نبضه العقيدة، نبضه طاقة نور إلهى، جسمه يمتد بين حدود كلها حية بالبحار والأنهار، حتى صحرائها ظاهرها جاف، وباطنها مياه وأنهار، تهيئ للعدو -بعد 67- أنه استسلم وترك جنديته، نبض قلبه وأنفاس عقيدته وطاقة أخلاقه وفطرته كجندى انفجرت فى حروب الاستنزاف، ليعيد أبطال الشخصية المصرية حروف الثأر ونقاط الرد وسطور الانتصار وصفحات الاستشهاد وفصول الكرامة ورد الاعتبار فى فهرس ملىء بأسماء الفرسان من عبدالمنعم رياض إلى إبراهيم الرفاعى وصابر منسى وألوف الشهداء، التى تزين بها السماء المصرية كنجوم تمهّد لنا الدروب وتحذّر كل من يُفكر فى الاقتراب من الأرض المصرية التى تبذر فى أرضها حبوب الأخلاق والعقيدة والجندية.
الشخصية المصرية حاضرة، ظاهرة بجنودها، وتركيبة شعبها، والتى يتكون جيشها من شعبها، ويتكون شعبها من جيشها، يملك الشعب عزته بجنده، ويملك روحه بعقيدته، ظاهر بأخلاق الجندية فيه، باطن تتجلى العقيدة فيه، يتجاوز بالعقيدة والجندية، فينتصر على منطق القوة بقوة عقيدته، فينتصر فى أكتوبر 73 وهو يعلن للعالم أن الشخصية المصرية تعيش فى أرضه كالروح والجسد، لا يفترق عن أرضه إلا بالاستشهاد، لتظل قوة الشخصية المصرية مهما قاست وتعرّضت لتحديات ستظل بالعقيدة والجندية فى عزة إلى يوم القيامة.. اللهم فاشهد..