ما تعلمته من الناس (2)
تحلو لى الكتابة بين الناس. أقرأ عن كتاب يحتاجون إلى هدوء شديد حين يجلسون للكتابة، ومنهم من يفضّل سماع الموسيقى، أو الاستغراق فى طقس معين حين تحين لحظة الإبداع، فيخلع نفسه منه ويهرع إلى القلم والأوراق. بالنسبة لى فإن موسيقاى العذبة هى أصوات الناس فى المقهى والسوق والحدائق.
على المقهى يتصايحون وهم يلعبون الدومينو، أو يثرثرون جاذبين أطراف حكايات تمتد من كرة القدم حتى بؤس الأحوال المادية، وتمتد من الحوارى إلى الإمبراطورية التى تتسيّد العالم الآن بالمال والسلاح والإعلام، بينما مقعدى يكاد يلتصق بهم، أو يحيطونه من كل جانب، فإن انهمكت فى الكتابة لا أسمع أحداً منهم. إنها عادة لازمتنى منذ كنت أستذكر دروسى فى دكان جدى، كما ذكرت سابقاً، ولهذا صاحبت الضجيج وروضته حتى صار أليفاً بالنسبة لى، منذ مواسم الحصاد ومصاطب السمر فى قريتى حتى المقاهى والأسواق، مروراً بمحطات الحافلات المكتظة بالذاهبين إلى أعمالهم والعائدين منها، وقطارات الدرجة الثالثة، التى تتحوّل فوق عجلات تجرى إلى أسواق وموالد، وأفراح ومآتم. يتأفّف كثيرون من الضجيج، لكنى عرفت قيمته أيام كورونا، حين خلت الحديقة التى تطل عليها شقتى من أطفال يتصايحون فى لعب، وعشاق يتجاذبون الغزل، وأسر جاءت فى نهاية الأسبوع بحثاً عن أى براح وفرجة وبهجة وسط حياة تمضى شاقة فى الشقق الضيقة. أيامها كنت أنظر إلى الحديقة من الشرفة، وأقول:
- متى يعود الضجيج الجميل؟
أشنف أذنى إلى الناس، وهم يثرثرون ويتبادلون النكات والعتب، يختلفون حتى يقفوا على باب الشجار، ثم يهدأون وكأن شيئاً لم يجر، وألتقط من أفواههم عبارات أحسبها حافلة بالبلاغة العميقة، التى تأتى عفو الخاطر، أو تنبت على أكف تجارب الحياة المريرة.
يحلو لى أحياناً الذهاب إلى السوق لأتبضّع من الخضراوات والفاكهة وغيرها. أراقب المساومات بين المشترين والباعة، وألتقط نداءات الواقفين خلف عربات الكارو ورصّات الخضر والفاكهة على ما يبيعونه، ونداءات سائقى «التوكتوك» الذين يلتقطون زبائنهم من على حواف الأسواق، وأمام المتاجر الكبرى.
حكايات تزخر بها الحياة، كما زخرت فى سنوات خلت، فإن قفلت راجعاً فى شارع «المبتديان» أنظر إلى نهره غير الواسع، ورصيفيه الضيقين، وأقول لنفسى:
- كم من بشر مروا من هنا، وذهبوا حاملين حكاياتهم إلى المقابر.
وأغرق فى اللحظة التى لن تدب فيها قدمى هنا، وأسابق الزمن حتى أفرغ ما فى رأسى وقلبى من حكايات، وأنا أقول لنفسى مرة أخرى:
- أنتم الحياة أيها الناس.
تروق لى وجوه بعض شخصيات غير نمطية، أراها فى غدوى ورواحى فى الشوارع، فأحسب أن وراء كل منها حكاية يجب أن تروى. أقترب من أصحابها وأحدثهم، وأطيل الحديث على قدر الاستطاعة. صحبة قد تُفضى بى إلى الامتلاء بحكاية جديدة عجيبة، تختمر فى رأسى، وتملأ وجدانى، وتُؤرقنى طويلاً، ولا أستريح منها إلا إذا وجدتها تتسطر على الورق. وتروق لى أيضاً أماكن الزحام فى الأحياء القديمة، فأجد نفسى ماضياً إليها، أدفن جسدى بين الأجساد الساعية فى كل اتجاه، أتوقف أمام الحوانيت، وأطالع البضائع، لكن الحديث الذى تتدفّق به الألسنة يغلب النظر، فأنجذب إليه بكل كيانى، باحثاً عن شىء جديد من معرفة يجود بها الناس، عن معنى تهديه المواقف التى تتابع بلا هوادة، لتصنع التاريخ الحقيقى، حتى وإن نسيه المؤرخون.