أهدانى الصديق والمثقف الكبير صبحى موسى نسخة من كتابه الجديد: «تحولات الثقافة فى مصر»، والذى صدرت طبعته الأولى 2023، ثم ها هى الطبعة الثانية منه. يُهدى المؤلف كتابه إلى المبصر دائماً طه حسين. وهو إهداء جيد يُثلج القلب ويُذكِّرنا بالرجل الذى رسم لنا تاريخنا الثقافى منذ بدايات القرن العشرين.
تحولات الثقافة في مصر
يكتُب المؤلف فى مقدمة كتابه عن مفهوم الثقافة. وهو موضوع شديد الأهمية فى هذا الوقت الذى نعيش فيه. وإن كان يعترف بأن الفضل فى طرح فكرة هذا الكتاب يعود إلى الرائد والمعلم الأكبر عميد الأدب العربى الدكتور طه حسين، فمنذ أن قرأت كتابه «مستقبل الثقافة فى مصر» منذ سنوات وأنا أُفكِّر بأننا فى حاجة إلى إعادة قراءة ما حدث من تحولات ثقافية وسياسية واجتماعية فى المجتمع المصرى لنعرف -بحسب تعبير الدكتور جلال أمين- ما الذى حدث للمصريين؟
لقد جرى كثير من التحولات التى شهدتها مصر، وفى كل تحول كانت خطة الثقافة أو رؤية الدولة للثقافة وطرق تعاملها معها تتغير، فدائماً ما كانت الثقافة مرتبطة برؤية الدولة وترحيبها. وأريد أن أكتُب عن المؤلف قبل الكتاب.
ومؤلف الكتاب شاعر وروائى مصرى مولود عام 1972 فى جنوب مصر وحاصل على ليسانس الآداب فى علم الاجتماع عام 1994، صدرت له دواوين شعرية كان أولها ديوان «يرفرف بجانبها وحده»، وآخرها كان «فى وداع المحبة». صدرت له ثمانى روايات، أولاها «صمت الكهنة»، وآخرتها «نادى المحبين». حصل على جائزة أفضل روائى عام 2014 عن رواية «أساطير رجل الثلاثاء». وجائزة نجيب محفوظ عن روايته «نقطة نظام عام 2018».
والجائزة المركزية للثقافة الجماهيرية عن روايته الأولى «صمت الكهنة» عام 2002، كما أن روايته «الموريسكى الأخير» وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد عام 2016، عمل بالصحافة، وأصبح مسئولاً عن النشر بهيئة قصور الثقافة، ورئيساً لتحرير مجلة الثقافة الجديدة.
وفى الكتاب نقرأ: تُعد الثقافة رأس الحربة فى وضع خطة الثقافة. بل إنها الوزارة المعنية بالأمر، ودورها ينقسم إلى شقين، الأول يتمثل فى رسم الخطط الثقافية، والثانى التنفيذ عبر المؤسسات والأجهزة المنضوية تحت رايتها. وهى مؤسسات قديمة وعريقة نشأت فى المرحلة الأولى فى دولة محمد على وأبنائه أو العصر الليبرالى.
والمؤلف يربط نشأة الثقافة وتطورها بالمرحلة الملكية. ويتوقف أمام هيئة قصور الثقافة التى نسميها الثقافة الجماهيرية، وهى فكرة نشأت فى أربعينات القرن الماضى، وبالتحديد 1945 حين أصدر وزير المعارف عبدالرزاق السنهورى باشا قراره بإنشاء الجامعة الشعبية لنشر الثقافة بين طبقات الشعب، ورفع مستوى الوعى الجماهيرى عبر مجالات السينما والمسرح والأدب والفنون والموسيقى. ويتوقف طويلاً أمام تولى المرحوم ثروت عكاشة مسئولية تولى وزارة الإرشاد الثقافى عام 1958، وكان قد أُعجِب بتجربة فرنسا فى إنشاء قصور الثقافة، فقرر أن يُنشئ عدداً منها فى الأقاليم المصرية، وأسند مسئوليتها للكاتب الصحفى سعد كامل. ثم تم تقسيم الإدارة المركزية للثقافة الجماهيرية إلى أقاليم. إقليم القاهرة أولاً، ووسط وجنوب الصعيد، وغرب ووسط الدلتا، وإقليم سيناء.
والمؤلف باعتباره مثقفاً عريقاً فهو يدرُس أشكال الهيئات الثقافية الأخرى مثل هيئة الكتاب، ودار الكُتُب التى كانت تُسمى الكُتُبخانة، والمجلس الأعلى للثقافة، ومعلومات دقيقة وجيدة عنه، ثم دار الأوبرا المصرية، والمركز القومى للترجمة، وقطاع الإنتاج الثقافى، وأكاديمية الفنون الموجودة بالهرم، والأكاديمية المصرية العامة للفنون فى روما، وصندوق التنمية الثقافية، والجهاز القومى للتنسيق الحضارى. ثم يدرس بعد ذلك خطة الثقافة المصرية بين ثروت عكاشة وفاروق حسنى. ويتوقف طويلاً أمام التجربتين وما قدمتاه للثقافة المصرية فى عصرنا الحديث. واهتم بما كتبه الصحفيون عنها فتوقف أمام الدكتور جمال زهران، وحلمى النمنم وزير الثقافة فيما بعد، والمشروعات الكبرى مثل مشروع القراءة للجميع، ودور الوزارة فى نشر الثقافة المصرية.
وإن كنت أتمنى من المؤلف أن يتوقف عند دور الثقافة المصرية فى الوطن العربى أو يخصص له كتاباً فيما بعد، فمصر كانت وستظل ويجب أن تبقى الدولة الرائدة ثقافياً ليس بحكم عدد سكانها، ولكن انطلاقاً من تاريخها الثقافى الطويل والعظيم، والذى كان وما زال وسيظل وسيبقى رائداً لوطننا العربى من المحيط إلى الخليج، بل وصل إلى أنحاء كثيرة فى عالم اليوم.