ما تعلمته من الناس (3)

إذا زرت دولة ما، فإن أول ما يشغلنى هو قلب المدن، النقطة التى نبتت أولاً، ثم قام حولها كل العمران، فهى مفتاحى لقراءة أى مدينة، كيف كانت؟ وكيف صارت؟ وإذا حجزت لى جهة تستضيفنى فى ندوة أو مؤتمر، يكون أول ما أسأل عنه هو مكان الفندق، فإن كان على طرف المدينة، سألت عما إذا كان من الممكن أن يكون فى قلبها، فإن كان هذا متاحاً فلا أتردد فى الانحياز للاختيار الثانى.


ذات مرة قال لى الموظف الذى أخبرنى بالحجز:


ـ المؤسسة متعاقدة مع فندق فخم قريب من المطار.


ابتسمت وقلت له:


ـ هذا معناه أننى لم آت من القاهرة.


ثم سألته:


ـ هل تتعاقد المؤسسة مع فندق آخر فى قلب المدينة؟


أجابنى وهو يضحك:


ـ نعم، لكنه نجمتان فقط، بينما الآخر خمس نجوم.


قلت له:


ـ كثرة النجوم تغيظنى، أريد النجمتين، وهذا سيوفر لكم بعض المال.


حين سألنى عن سبب اختيارى هذا، أجيبه بلا تردد:


ـ أريد أن أكون بين الناس.


وقد رتبت لى السياسة والكتابة فرصة الدخول إلى بيوتات كثيرة، لأثرياء ومستورين وفقراء، لعلية القوم فى المدن ووجهاء الريف وكذلك من رقيقى الحال والمعدمين. كان هذا جيداً بالنسبة لى، فالكاتب الذى يسكننى أو المختص بعلم الاجتماع السياسى، يطلب منى دوماً أن أقف على حال مختلف الطبقات الاجتماعية من قريب، وأن أختزن هذه المعرفة لأستدعيها فى الكتابة الأدبية والتحليل السياسى، المكتوب والشفاهى، دون الإتيان على ذكر اسم أحد، فكل هذا يكون فى الخلفية، لكنه يعطى الكتابة أو الكلام معنى قريباً، إذ يجعله يحط على الأرض ماشياً بين الناس، ولا يقف معلقاً فى الهواء، مجرداً ومتعالياً ومستغلقاً على أفهام من يقرأونه أو يسمعونه.


وسط هذه الفرص أتيح لى أن أخالط الكثير من المهن، وكذلك أخالط العاطلين عن العمل والأمل، وأرى من كثب المؤمنين بلا حدود، والمتفلتين بلا حد، من يسكن قلوبهم يقين لا يتزعزع، وأولئك الذين يرقصون فى ريح الشك والبلبلة.


لا أجعل شيئاً يمنعنى عن الجلوس إلى المختلفين معى كل الاختلاف، ومن يخوضون حياة لا أرتضيها، حتى لو كانوا من أولئك الذين يصفهم بعض الناس بالحثالة أو أبناء القاع الاجتماعى الرث.


ووقت إعداد أطروحة الماجستير عن «التنشئة السياسية للطرق الصوفية فى مصر» انخرطت من أتباعها أثناء الدراسة الميدانية، سمعت حكايات، وبنيت علاقات مع بسطاء من نوع آخر، لمست أكفهم حين شبكت أصابعى فى أصابعهم أثناء حضرات الطريقة «الحامدية الشاذلية»، ونمت على حصير بالٍ بينهم مع الطريقة «الخليلية».

كانوا قادمين من القرى، والشوارع الخلفية فى المدن، يصفون أنفسهم بأنهم «الفقراء إلى الله»، وهو وصف يجب أن يتمسك به كل مؤمن مهما علا شأنه، وامتلأت جيوبه، وفاضت طاقة جسده، لكنهم فى الحقيقة كانوا أيضاً فقراء إلى حاجات الدنيا وضروراتها.


بعد حضرة «الحامدية الشاذلية» كنت ألتقيهم فى ساحة مسجدها، منهم موسرون مكتفون، ومنهم من يرسفون فى أغلال الفقر، فأحدث كل فئة بخطابها، لكننى كنت منجذباً أكثر للغلابة منهم، الذين يبحثون عن طبابة فى رحاب الذكر والإنشاد.


وفى مولد الشيخ «أبوخليل» بالزقازيق، كنا نصعد إلى شقة اختارها أحد شيوخ فرع للطريقة، التى توزعت وقتها على مجموعات ثلاث، لمريديه، فأنصت إلى حكاياتهم التى لا تنقطع حتى يهجم علينا النوم، فنغطس فيه راضين.
فيما بعد عرفت مريدى الطريقة «العزمية»، أبناء المدن الموزعين على مهن معتبرة، والقادمون من الريف من أصحاب الأرض والأجراء. يأتون جماعات متنوعة، ريفيون يرتدون الجلابيب، وأبناء مدن يرفلون فى بذلات مهندمة، ألقى أحياناً كلمات فيهم بطلب من شيخ الطريقة «علاء أبوالعزايم»، وأتناول معهم طعامهم، ويطول بنا حديث عن الله والناس.


راقت لى هذه المساواة التى تقوم بين هؤلاء المريدين، فهى على الأقل أفضل كثيراً من نسبتها القائمة فى المجتمع العام، لا سيما مع التفاوت الطبقى الرهيب الذى عرفته مصر، فالكل يمتثلون فى الحضرة دون تفرقة، مثلما يحدث فى الصلاة، ويمكن للخدمة، وهى طقس صوفى، أن تأتى ذات يوم على وزير أو لواء سابق أو رجل أعمال فيكون عليه تسلم أحذية المريدين ورصها، ثم تسليمها لهم وقت خروجهم من حضرة الذكر بالمسجد أو غيره، ويمكن أن يصيبه الدور أيضاً فى توزيع النفحة البسيطة التى يتناولونها قبيل الحضرات، ولا تزيد على مخبوزات جافة أو تمر.