لعبة «إسماعيل»
هل لو طال العمر بإبراهيم باشا ابن محمد على كان سيولى الحكم لأحد أولاده؟ ظنى أنه كان سيفعل ويطيح بالقاعدة التى وضعها محمد على، يدلل على ذلك الخلافات الأخيرة التى دبت بين القائد العسكرى الشهير وأبيه الوالى الكبير وكان لها صدى على موقفه من العائلة، ومن المعروف أنه كان شديد الهجوم والتعنيف لولى عهده عباس حلمى الأول بذريعة تربيته وإعداده للمهمة القادمة.
والمسألة ليست فى مجرد الخلافات، بل فى الإرادة الموحدة لكل من يجلس على كرسى الولاية أو الملك للتخلص من كافة أفرع العائلة والاستفراد بالخديوية له ولأولاده، ويظل الوالى محمد سعيد بن محمد علىّ الذى تولى الحكم بعد عباس حلمى الأول الأكثر زهداً على هذا المستوى، إذ لم يفكر فى نقل الحكم إلى أولاده، مثلما سعى سلفه «عباس»، حين حاول نقل الحكم إلى ابنه «إلهامى باشا». لقد ظلت القاعدة التى وضعها محمد على بتولية أكبر الأولاد أو الأحفاد سناً سارية حتى اعتلى «إسماعيل» عرش البلاد.
وإسماعيل هو نجل القائد إبراهيم بن محمد على، هذا الرجل وحده هو الذى استطاع أن يلعب اللعبة الكبرى، ويقص أجنحة كل أفراد الأسرة ويجعل الحكم فى نفسه وفى أولاده وأحفاده من بعده، استثناءً بين كل أفرع عائلة محمد على. وكان ذلك هو السبب -كما يقول صلاح عيسى فى كتابه «حكايات من دفتر الوطن»- فى كراهية أسرة محمد على بأكملها لإسماعيل باشا، وكل ما تنسل عنه، بسبب اللعبة غير النظيفة التى لعبها، وغيَّر بمقتضاها قانون وراثة العرش، بحيث تصبح فى أكبر أبنائه، ثم أكبر أحفاده، بعد أن كانت شائعة بين أكبر ذكور الأسرة.
تستطيع أن تستخلص الجانب غير النظيف فى لعبة «إسماعيل» من خلال تتبع الهدايا والعطايا والنفحات -أو سمها ما شئت- التى كان يقدمها للسلطان العثمانى وحاشيته أو من كان يطلق عليهم (رجال المابين)، وما تكلفه فى تنظيم الاستقبال الكبير للسلطان العثمانى عبدالعزيز الأول الذى زار مصر فى عصره، وتكاليف الهدايا التى حملها السلطان ورجاله، أضف إلى ذلك الكلام الكثير الذى أحاط بمصرع شقيقه الأمير أحمد رفعت والاتهامات التى وجهها البعض لإسماعيل بالضلوع فى ذلك، وكان الأمير «رفعت» حتى وفاته ولى عهد مصر مع الخديو سعيد.
الوحيد الذى نجح فى تحويل خط تاريخ الأسرة العلوية كان «إسماعيل»، بعد أن أطاح بكل أفراد هذه المؤسسة (بالمال أو بالتآمر)، واحتكر الولاية والخديوية لنفسه ثم لأولاده وأحفاده من بعده، وهو الأمر الذى جعله فى مرمى نقمة وكراهية الجميع، ليس وحده، بل نسله أيضاً كما أشار المبدع الراحل صلاح عيسى، وفى سياق هذا الزخم من الكراهية لإسماعيل وأولاد إسماعيل تستطيع أن تفهم تلك الواقعة التى تعرض فيها أحد أبناء الخديو الشهير لمحاولة اغتيال على يد حفيد الأمير أحمد رفعت.