الضربة الإسرائيلية والرد الإيراني.. نهاية الحلم النووي أم بداية حرب؟
الضربة الإسرائيلية والرد الإيراني.. نهاية الحلم النووي أم بداية حرب؟
فى ليلةٍ حُبست فيها أنفاس الشرق الأوسط، وارتجفت فيها الحسابات الدولية، فجَّرت إسرائيل مفاجأتها الأخطر منذ سنوات، بعملية عسكرية جوية غير مسبوقة، استهدفت صميم «الحلم النووى» الإيرانى، وضربت بعُمق أعصاب الدولة فى طهران، لم تكن ضربة عابرة، بل خطوة تُنذر بتحوُّل جذرى فى معادلات الردع الإقليمى، وربما تُمهِّد لاندلاع «مواجهة شاملة» تتجاوز حدود إيران وإسرائيل، لتشعل شراراتها فى الخليج وواشنطن ودمشق وبيروت، إلا أن السؤال الذى يُربك معظم عواصم العالم: هل فتحت الضربة الإسرائيلية أبواب الجحيم، أم أنها رسمت بداية طريق تفاوضى جديد لا عودة فيه إلى الوراء؟
ففى مساء 12 يونيو، أقدمت إسرائيل على خطوة قد تُسجَّل فى كتب التاريخ كـ«نقطة تحول فى التوازنات الاستراتيجية الإقليمية»، تتمثل فى ضربة عسكرية جوية معقدة استهدفت المنشآت النووية الإيرانية، ومراكز القيادة العسكرية، وعدداً من العلماء وكبار المسئولين الإيرانيين، وذكرت مجلة «فورين أفيرز» أنه بينما لم تُعرف بعد نتائج الضربات بالكامل، فإن الأسئلة الكبرى بدأت تتردد بقوة: «هل نجحت إسرائيل فى تدمير برنامج إيران النووى؟ هل دخلت المنطقة فعلاً نفق الحرب الشاملة؟ أم أن ما جرى سيكون بداية مسار تفاوضى جديد بشروط مغايرة؟».
بحسب المراقبين، فإن الإجابة لن تتأخر طويلاً، فما جرى ليس مجرد غارة جوية، بل عملية مُركَّبة تعكس سنوات من التخطيط والدراسة والتنسيق الاستخبارى والتقنى، وتحمل فى طياتها رسائل سياسية وعسكرية تتجاوز إيران، بل وتتجاوز دول المنطقة، لتصل إلى العواصم الكبرى فى العالم، خصوصاً واشنطن، حيث تشير المعلومات المتوافرة حتى الآن، إلى أن الضربات الإسرائيلية طالت مواقع حساسة مثل منشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم، ومواقع يُشتبه بإجراء أبحاث تسليحية فيها، إلى جانب مراكز إطلاق صواريخ باليستية، كما استهدفت عدداً من العلماء والمسئولين العسكريين المرتبطين بالبرنامج النووى الإيرانى، وهو ما يضيف بُعداً ردعياً نفسياً على العملية.
مع ذلك، لا تزال المعطيات التقنية المتعلقة بحجم الأضرار غير مكتملة، فالوكالة الدولية للطاقة الذرية لم تؤكد بعد ما إذا كانت المنشآت، خصوصاً موقع «فوردو» الشديد التحصين، قد تعرَّضت لأضرار كبيرة، كما لم يُعرف مصير أجهزة الطرد المركزى ولا حجم مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، وفى حال بقى هذا المخزون سليماً، فإن طهران قد تكون قادرة على استئناف برنامجها بسرعة نسبية، خصوصاً فى ظل ما تمتلكه من «بنية تحتية بديلة»، لكن القضية لا تتعلق فقط بالمواد أو المعدات، فإنتاج سلاح نووى يتطلب قدرة على تحويل اليورانيوم إلى معدن، وتصنيعه إلى مكونات دقيقة ودمجها فى رأس حربى قابل للتركيب على صواريخ. وهى خطوات معقدة كانت إيران، على ما يبدو، تبذل جهوداً سرية منذ سنوات لتحقيقها، رغم الرقابة الدولية.
وأضافت الصحيفة الأمريكية أنه إذا كانت إسرائيل قد نجحت فى إلحاق ضرر جسيم بالبرنامج النووى الإيرانى على المستويين اللوجيستى والتقنى، فإن المعضلة الكبرى تكمن فى ما إذا كانت قد أثَّرت على إرادة إيران السياسية لمواصلة مشروعها النووى، فهل يكفى ما جرى لردع طهران، أم أنه سيدفعها نحو تسريع جهودها النووية بشكل غير مسبوق؟ خاصةً أن القيادة الإيرانية تدرك جيداً أن الضربة الإسرائيلية لم تكن استعراضاً للقوة، بل رسالة مباشرة مفادها أن إسرائيل مستعدة للذهاب إلى النهاية لمنع إيران من امتلاك سلاح نووى، كما أن إسرائيل، وبدعم تقنى وعسكرى أمريكى، مستعدة لمواجهة أى رد من جانب طهران، حيث نشرت الولايات المتحدة بطاريتى «ثاد» دفاعيتين فى إسرائيل، إضافة إلى تعزيزات بحرية وجوية متقدمة، وتراهن تل أبيب على قدرتها على اعتراض الهجمات الباليستية والمسيَّرة، خصوصاً بعد نجاحها فى صدِّ وابل من 300 صاروخ إيرانى فى مناسبات سابقة.
«فورين أفيرز»: هجمات 12 يونيو «نقطة تحول» فى التوازنات الاستراتيجية
إلا أن تقرير «فورين أفيرز» يعتبر أن التحدى الأكبر أمام إسرائيل ليس فى مواجهة الصواريخ فقط، بل فى التعامل مع شكل جديد من الحرب، يعتمد على «الهجمات غير المتكافئة»، فإيران قد تلجأ إلى عمليات سيبرانية، أو استهداف مصالح إسرائيلية فى الخارج عبر وكلائها، ومن غير المستبعد أن تشن الميليشيات الشيعية فى العراق وسوريا هجمات على قواعد أمريكية، أو أن يحاول «الحوثيون» استئناف هجماتهم على الملاحة الدولية فى البحر الأحمر، ورغم أن دول الخليج قد تسعى لتجنُّب التصعيد، إلا أن دخول الولايات المتحدة المباشر فى المعركة، إن وقع، قد يجعل منشآت النفط والغاز فى السعودية والإمارات عرضة لهجمات إيرانية، سواء بالصواريخ أو الطائرات المسيَّرة.
موقف واشنطن من الضربات الإسرائيلية كان حذراً، لكنه محسوب، ففيما أعلن الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، أن بلاده لم تشارك فى العملية، تعهَّد وزير خارجيته، ماركو روبيو، بحماية القوات والمصالح الأمريكية من دون الإشارة إلى إسرائيل، وهى رسالة واضحة لإيران مفادها «لا تقتربوا من الأمريكيين، ولكننا سنحمى حلفاءنا»، مع ذلك، يواجه ترامب الآن معضلة استراتيجية قد تغيِّر مجرى رئاسته من خلال الإجابة عن سؤال: هل يتدخل عسكرياً لمنع إيران من إعادة بناء برنامجها النووى، أم يكتفى بالضغط الدبلوماسى والاستخباراتى؟ الخيار الأول قد يجر الولايات المتحدة إلى حرب جديدة فى الشرق الأوسط، وهو ما يتناقض مع تعهُّده بعدم التورط فى حروب خارجية، أما الخيار الثانى فقد يسمح لإيران بالاقتراب من «العتبة النووية»، وهو ما يهدد أمن إسرائيل، ويُضعف مصداقية الردع الأمريكى فى المنطقة.
إيران تملك القدرة على توجيه ضربات مباشرة للقواعد الأمريكية فى الخليج
وبحسب دانيال شابيرو، المسئول السابق فى وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» وسفير واشنطن السابق فى إسرائيل، فإن إيران تملك القدرة على توجيه ضربات مباشرة للقواعد الأمريكية فى الخليج، كما يمكنها استهداف السفارة الأمريكية فى بغداد، وهو ما قد يؤدى إلى سقوط قتلى، ويدفع واشنطن إلى ردٍّ عسكرى واسع النطاق، وفى حالة إذا ما قررت طهران استئناف مشروعها النووى تحت الأرض وبشكل سرى، فإن المهمة أمام الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية ستكون أكثر تعقيداً، ورغم أن إسرائيل تمتلك القدرة على تأخير البرنامج النووى الإيرانى لعدة أشهر، فإن تدميره بالكامل دون تدخل أمريكى يبدو أمراً صعب التحقيق.
واختتمت الصحيفة الأمريكية تقريرها بالقول إن ما يجرى اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل صراع إرادات وحسابات استراتيجية معقدة، تتداخل فيه الأبعاد التقنية مع السياسية، والميدانية مع النفسية، وما ستقرره إيران فى الأيام المقبلة، سيحدد ما إذا كانت المنطقة تتجه إلى تسوية جديدة، أم إلى مواجهة شاملة لا تُبقى ولا تذر.