تحطم «بوينج 787 دريملاينر» في الهند ومصرع 246 شخصا يعيد فتح ملف الأمان الجوي

كتب: محمود العيسوي

تحطم «بوينج 787 دريملاينر» في الهند ومصرع 246 شخصا يعيد فتح ملف الأمان الجوي

تحطم «بوينج 787 دريملاينر» في الهند ومصرع 246 شخصا يعيد فتح ملف الأمان الجوي

فى واحدة من أكثر الكوارث الجوية دموية فى تاريخ الطيران المدنى بالهند، لقى ما لا يقل عن 246 شخصاً مصرعهم، بينهم 241 راكباً، إثر تحطم طائرة تابعة لشركة الطيران الهندية «آير إنديا»، من طراز «بوينج 787 دريملاينر»، كانت فى طريقها من مدينة «أحمد أباد»، كبرى مدن ولاية «جوجرات» فى شمال غرب الهند، إلى العاصمة البريطانية لندن، وذلك بعد نحو 30 ثانية فقط من إقلاعها، حيث أعادت هذه الحادثة المروعة إلى الواجهة سلسلة من التحذيرات القديمة والتقارير الرقابية التى لطالما حذرت من مخاطر فنية ونقص فى الرقابة التنظيمية، مما يثير تساؤلات حادة حول جاهزية القطاع الجوى فى الهند، واستعداده لمواجهة مثل هذه الأزمات.

وفى تقرير لها حول ملابسات وتداعيات أحدث كارثة جوية لطائرة من طراز «بوينج»، أكدت مجلة «ذا ويك» الهندية أن هذا النوع من الطائرات «دريملاينر» يعانى من بعض العيوب الفنية والميكانيكية، إضافة إلى عيوب تصميمية، تبدأ فى الظهور منذ لحظة تسلمها وعند بداية تشغيلها، وأشارت إلى أن «ديوان المحاسبة والمراقبة»، التابع للحكومة الهندية، أصدر تقريراً فى عام 2017، جاء فيه أن أول 6 طائرات من طراز «بوينج 787» انضمت إلى أسطول شركة «آير إنديا» فى سبتمبر 2012، عانت من «خلل ميكانيكى خطير» فى بطارياتها «الليثيوم - أيون»، مما دفع الشركة إلى إيقاف تشغيل هذه الطائرات لمدة تزيد على 4 أشهر، فى الفترة من 17 يناير إلى 4 يونيو 2013، واعتبر «ديوان المحاسبة» أن هذا العطل ليس مجرد خلل طارئ، بل «نقص تصميمى»، تتحمَّل مسئوليته شركة «بوينج»، وأوضح التقرير أن البطاريات المستخدمة فى هذه الطائرات، رغم اختيارها بسبب كثافتها العالية للطاقة وطول عمرها الافتراضى، تنطوى على «مخاطر» تهدد سلامة الطائرة، من أبرزها قابلية الاشتعال، فى حال حدوث قصور كهربائى، أو ارتفاع مفرط فى درجة الحرارة.

وأشارت الصحيفة الهندية إلى أن شركة «آير إنديا» كانت قد طلبت 27 طائرة من طراز «بوينج 787 - 800»، وهو ما يجعل حجم المخاطرة أكبر بكثير من مجرد العيوب الميكانيكية فى 6 طائرات اضطرت الشركة إلى وقف تشغيلها بصورة مؤقتة، وقد تكررت الأعطال الفنية فى هذه الطائرات مراراً خلال السنوات التالية، حيث بلغت ساعات توقف الطائرات عن العمل لأسباب فنية حوالى 274 ساعة فى عام 2013، وارتفعت إلى 1464 ساعة فى 2016، وخلص تقرير «ديوان المحاسبة» إلى أن بعض هذه الأعطال كانت «متكررة بطبيعتها»، ما يعزز فرضية وجود «خلل هيكلى مزمن» فى هذا الطراز، ومن بين أبرز النقاط التى أثارها التقرير، زيادة وزن الطائرات عن المعدلات المتوقعة بنحو عشرة أطنان كاملة، مما يؤدى إلى زيادة استهلاك الوقود بصورة غير اقتصادية، وهذا ما يلقى بظلال سلبية على أداء الأسطول، وقدرته التشغيلية.

«ذا ويك»: عيوب فنية وميكانيكية فى بطاريات «الليثيوم» تتحملها الشركة المنتجة

وتابعت صحيفة «ذا ويك»، فى تقريرها، أن الحادثة المأساوية الأخيرة لطائرة «دريملاينر» فى مدينة «أحمد أباد» دفعت الرأى العام والسياسيين إلى إعادة تسليط الضوء على أوضاع الرقابة والسلامة فى قطاع الطيران، حيث سبق أن حذَّرت لجنة برلمانية دائمة، فى تقرير صدر فى مارس 2025، من «نقص استثمارى خطير فى منظومة السلامة الجوية والبنية التحتية للتحقيق فى الحوادث»، وبحسب التقرير البرلمانى، فإن «هيئة الطيران المدنى»، وهى الجهة المسئولة عن الرقابة على السلامة الجوية، تستحوذ على ما يقارب نصف الميزانية المخصصة لهذا القطاع، بواقع 300 مليون روبية (30 كرور روبية)، من أصل 700 مليون روبية، فى حين تم تخصيص 150 مليون روبية فقط لمكتب أمن الطيران المدنى، و200 مليون روبية لمكتب تحقيق الحوادث الجوية، ورأت اللجنة البرلمانية أن هذا التفاوت الكبير فى توزيع الموارد يعكس «اختلالاً فى الأولويات»، إذ يتم التركيز على الجوانب الإدارية والتنظيمية، على حساب أمن المسافرين، وقدرات التحقيق فى الكوارث، وأوصت اللجنة بتخصيص ميزانية أكثر توازناً، لضمان الاستعداد الفعلى لمواجهة الأزمات الجوية.

إلا أن الصحيفة تعتبر أن مشكلة السلامة الجوية لا تتوقف فقط على محور التمويل، حيث كشف التقرير عن وجود ما وصفه بـ«نقص كارثى» فى أعداد الكوادر البشرية المؤهلة داخل الهيئات المعنية بالرقابة الجوية، وفى مقدمتها هيئة الطيران المدنى، التى تعمل بأقل من 47% من عدد موظفيها المعتمدين، بينما تبلغ نسبة الشواغر فى مكتب أمن الطيران المدنى نحو 35%، فى حين تعانى هيئة المطارات الهندية من أكثر من 3200 وظيفة شاغرة، أى نحو 17% من قوتها الوظيفية، وحذرت اللجنة البرلمانية من أن «هذا العجز الكبير فى الموارد البشرية قد يؤدى إلى إضعاف قدرات الرقابة وإنفاذ معايير السلامة، وتدهور جودة الخدمات، فى وقت تشهد فيه حركة النقل الجوى ارتفاعاً مستمراً».

وتابعت «ذا ويك»، فى تقريرها، أن الكارثة الجوية لطائرة «آير إنديا» لا تخلو من «إشارات إنذار» حول التوسع السريع وغير المتوازن فى قطاع الطيران، ففى السنوات العشر الأخيرة تضاعف عدد المطارات فى الهند تقريباً، من 74 إلى 147 مطاراً، مع هدف طموح لبلوغ 220 مطاراً بحلول 2025، وذلك ضمن مشروع «أودان» الحكومى، الذى يهدف إلى ربط المدن الصغيرة والنائية عبر شبكة للنقل الجوى، ولكن رغم توسع نطاق المشروع تم خفض ميزانيته بنسبة 32% فى 2025، إلى 540 «كرور» روبية فقط، وهو ما اعتبرته اللجنة البرلمانية «تخفيضاً لا ينسجم مع الأهداف المعلنة»، محذرةً من أن «توسيع شبكة الطيران، دون تعزيز الأمن والسلامة قد يؤدى إلى نتائج كارثية»، وهو ما حدث فى حادثة «أحمد أباد»، كما أكدت اللجنة أن «توسعة البنية التحتية يجب أن تترافق مع استثمارات موازية فى أمن الطيران، وقدرات التحقيق، وتحديث أنظمة الاستجابة للطوارئ».

واختتمت الصحيفة تقريرها بالقول إنه فى ضوء هذه الحقائق يبدو أن تحطم طائرة «بوينج 787 دريملاينر» لم يكن مجرد حادث منعزل، بل جاء كنتيجة لتراكمات من الإهمال التنظيمى، وقرارات فنية خاطئة، ونقص فى الكوادر والموارد، وأضافت أنه من المرجَّح أن يشكِّل هذا الحادث «علامة فارقة» فى السياسات الهندية لسلامة النقل الجوى، إذا ما تم التعامل مع تداعياته بجدية وشجاعة مؤسسية، ولكن، فى غياب تحقيق شفاف ومسئول، ومحاسبة حقيقية للمقصِّرين، وإصلاحات جذرية فى البنية التنظيمية والتشغيلية، قد يتحوَّل هذا الحادث إلى مجرد رقم جديد فى سجل الحوادث، دون أن تتغيَّر قواعد اللعبة، حيث يمثل الحادث «لحظة اختبار حقيقية» لمنظومة الطيران المدنى فى الهند، لتجنب تكرار مثل هذه الأخطاء القاتلة.


مواضيع متعلقة