تحالفات الحرب الإيرانية الإسرائيلية تهدد بحرب عالمية
الحرب بين إيران وإسرائيل لا تقتصر عليهما كلاعبين وحيدين فقط، بل إنهما يظهران في المواجهة بينما في الخلفية هناك لا عبون آخرون يمارسون أدوارا مختلفة.
أعلنت باكستان رسميا أنها تساند إيران ضد إسرائيل وضد الدول التي تتعاون معها لمنع إيران من ممارسة دفاعها عن نفسها. فرنسا أعلنت رسميا أنها في صف إسرائيل وبالطبع تقف أمريكا بكل وضوح في صف إسرائيل.
ولا يخلو المشهد من دخول الصين وروسيا وكوريا الشمالية في صف إيران، ومن المؤكد أن بريطانيا ذيل أمريكا الدائم ستكون معها في صف إسرائيل، بل إن إسرائيل طالبت بتشكيل تحالف دولي ضد إيران وكأنها اعتدت عليها وليست هي البادئة بالاعتداء.
لقد تجاوزت الحرب حدود التوترات التقليدية أو الضربات المترددة، ودخلت مرحلة الصراع المباشر الساخن للغاية والذي قد يعيد رسم خارطة التحالفات الدولية ويهدد باندلاع مواجهة كبرى لا تُستثنى منها القوى العظمى. فهذه ليست مجرد حرب إقليمية، بل بوابة مفتوحة على احتمالات تحالفات عسكرية عابرة للقارات، وخطوة خطرة نحو حرب عالمية ثالثة تلوح نذرها في الأفق.
عداء إسرائيل لإيران ليس وليد اللحظة، بل امتداد لعقود من التنافس السياسي والعقائدي والتصادم الجيوستراتيجي. فبينما ترى تل أبيب في طهران تهديدًا وجوديًا بسبب دعمها المتواصل لحركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية، تعتبر إيران إسرائيل كيانًا غاصبًا ومعاديًا للإسلام والمقدسات، وتمثل رمزًا للهيمنة الغربية في الشرق الأوسط، ومع تصاعد وتيرة التصعيد، أصبح الصدام المباشر أمرًا واقعًا، لا مجرد احتمالات.
أحد أبرز المفاجآت في هذه الحرب، إعلان باكستان - الدولة النووية ذات الثقل الإسلامي الكبير - تحالفها العلني مع إيران. خطوة لم تكن لتُتخذ دون اعتبارات استراتيجية، أبرزها التهديد الذي باتت تشعر به الشعوب المسلمة من السياسات الإسرائيلية، خاصة بعد المجازر المتكررة في غزة والضفة الغربية، كما يأتي هذا التحالف ليعبر عن سخط متراكم في العالم الإسلامي من ازدواجية المعايير الغربية.
في المقابل، سارعت الولايات المتحدة، كالعادة، إلى إعلان دعمها الكامل لإسرائيل، معتبرة الهجوم الإيراني تهديدًا لحليفتها الأولى في الشرق الأوسط. وساندتها فرنسا، مُظهرة التزامًا عسكريًا واستخباراتيًا ضمنيًا، يعكس عودة أوروبا للعب دور عسكري مباشر في الشرق الأوسط. هذا التموضع الغربي يعيد إلى الأذهان اصطفافات الحرب الباردة، مع فارق أن المواجهة اليوم تجري بأدوات أكثر تطورًا وقربًا من الحدود الفعلية للانفجار.
ربما لا تحظى إيران بإجماع سياسي عربي، لكن الشعوب العربية وجدت في المواجهة الإيرانية الإسرائيلية متنفسًا عن غضبها المتراكم من جرائم الاحتلال في غزة والضفة الغربية. وبدت حالة التعاطف الشعبي العربي مع إيران في هذه الحرب أقرب إلى «انتقام معنوي» من عدو مشترك لا يزال يستبيح المقدسات ويهدم البيوت فوق رؤوس الأبرياء في فلسطين، دون أن يردعه رادع، وعبرت الشعوب العربية عن سعادتها بالدمار الذي حل بتل أبيب وبالمدن الإسرائيلية ورأوا فيه انتقاما مما فعلته الدولة الصهيونية بالشعب الفلسطيني الأعزل.
وفي تحول مهم للمشهد، أعلنت الصين وكوريا الشمالية تأييدهما لطهران، وضرورة مقاومة الغطرسة الغربية، والدفاع عن سيادة الدول التي تتعرض للتهديدات الأمريكية والإسرائيلية. هذا الموقف لا يحمل بعدًا أخلاقيًا فحسب، بل يُترجم إلى دعم عسكري وتقني قد يُغيّر قواعد اللعبة في أي مواجهة شاملة. فالصين، كقوة عظمى صاعدة، تستثمر في زعزعة الهيمنة الأمريكية، وتجد في دعم إيران فرصة استراتيجية لترسيخ حضورها العالمي.
أما روسيا، التي تخوض أصلاً صراعًا مع الغرب في أوكرانيا، فتجد في دعم إيران فرصة لفتح جبهة جديدة تربك الغرب وتستنزف موارده. ورغم أن موسكو لم تعلن تحالفًا رسميًا عسكريًا مباشرًا مع إيران، إلا أن إشاراتها السياسية والدبلوماسية تدل على اصطفاف واضح، خاصة في مجلس الأمن الدولي، حيث استخدمت من قبل حق النقض لحماية حليفتها الإيرانية من قرارات دولية عقابية.
هذه الحرب التي تدور عن بعد حاليا وعلى مسافات جغرافية متباعدة، لن تبقى على هذا الوضع إذا ما تواصلت الاشتباكات، فتعدد اطراف الصراع يهدد بانفلات دولي أوسع. فنحن أمام محورين واضحين: محور غربي تقوده أمريكا وإسرائيل مدعومًا بأوروبا، ومحور شرقي – إسلامي يضم إيران، باكستان، الصين، كوريا الشمالية وروسيا. هذه الاستقطابات الحادة لم تشهدها الساحة الدولية منذ الحرب العالمية الثانية، ما يضع العالم على شفا هاوية لا تُحمد عقباها.
هل تتجه البشرية نحو حرب عالمية ثالثة؟ كل المؤشرات الاستراتيجية تشير إلى أن الأمور قد تخرج عن السيطرة في حال حدوث تطور في الضربات العسكرية إلى تبادل باستخدام صواريخ بعيدة المدى أو أسلحة غير تقليدية. أو استهداف ممرات الطاقة والملاحة في الخليج العربي أو البحر الأحمر. أو دخلت أطراف جديدة الصراع بشكل مباشر، مثل تركيا أو الهند أو دول الخليج.
الحرب الإيرانية – الإسرائيلية لم تعد شأنًا إقليميًا، بل تحولت إلى مفترق طرق في التاريخ الحديث، فهي تكشف عن أزمة النظام العالمي، وفشل الدبلوماسية، وتحول القوى الصاعدة إلى أطراف فاعلة قادرة على تحدي الهيمنة التقليدية. وإذا لم تُبذل جهود حقيقية لإطفاء هذه النيران، فإن العالم ماضٍ نحو إعادة سيناريوهات الحروب العالمية الكبرى، ولكن بأسلحة تفوق الخيال دمارًا وقدرة على الإبادة.