الإخوان: من التمكين إلى بوابات الهروب
كان الهروب الكبير هو أول فعلٍ قاموا به بعد السقوط. سقط الحُكم، فسقطوا عن المنصات، ثم سقطت الأقنعة. هربوا لا لأنهم انهزموا، بل لأنهم كانوا يعلمون فى قرارة أنفسهم أنهم لا يحملون مشروعاً، بل يحملون غلافاً سميكاً من الوهم. لم تكن بطولتهم إلا وهماً إعلامياً، ولم يكن صبرهم إلا مراوغة دعائية. ومنذ اللحظة الأولى لفض الاعتصام، كان قرار الكبار جاهزاً: «الهروب أولاً، والدماء نتركها للصغار».
هرب من هرب منهم، ووقع فى قبضة الأمن من وقع، ولكن كان وقوعهم مخزياً، فحينما كانت مصر تتنفس الحقيقة أخيراً بعد سنواتٍ من الخداع، ودهورٍ من التماهى بين الدين والسلطة، وقع القناع، لا من على وجه رجلٍ واحد، بل من على ملامح كيانٍ بأكمله.
لذلك لم تكن لحظة القبض على محمد بديع -المرشد العام- مجرد خبر فى شريطٍ إخبارى، بل كانت سقوطاً رمزياً وواقعياً فى ذات الآن، فالرجل المرشد الرمز حينما هرب من ميدان رابعة كان متخفياً بنقاب! وكأن النقاب أصبح فريضة على المرشد بحيث لا يكلمه أحد إلا من وراء حجاب، متخلياً عن أسطورة المرشد المعصوم، وبعد فراره بالنقاب لم يبتعد كثيراً، بل لجأ إلى شقة متواضعة فى محيط رابعة ذاته، كأنما أراد أن يظل قريباً من بقايا الميدان ليشهد على احتراق الحلم الذى صمّمه بيده، وعندما داهمته الشرطة، لم يكن المرشد فى هيئة القائد، بل فى صورة الإنسان المرتبك الذى أُخرج من سرداب الوهم ليُعاد إلى واقعه دون رتوش.
أما خيرت الشاطر، رجل الجماعة القوى وصاحب «الخزنة والمفاتيح»، فكان سقوطه فى حى راقٍ بمدينة نصر، لم يكن يحمل سلاحاً، بل كان يحمل بين ضلوعه بقايا خطة لم تكتمل، ووهماً بأن الدولة يمكن أن تُدار كما تُدار شركات الإخوان، سبحان الله المعز المذل، أهذا هو الرجل الذى قال ذات يوم إنه يملك «الدولة فى جيبه»؟! الآن لحظة القبض عليه وجد نفسه فى جيب الدولة نفسها، مجرد رقم فى دفتر القبض.
أما عصام العريان، فقد تم القبض عليه فى جنوب الجيزة، فى مأوى لم يكن يليق بخطاباته النارية ولا بابتسامته الساخرة، اختبأ كأى فردٍ مطارد، بعد أن كان يتحدث بوثوق الأنبياء فى الفضائيات، وكأن الأيام أرادت أن تلقنه درساً صامتاً: أن الكلمة حين تُستخدم لستر الباطل، فإنها تهوى بصاحبها لا ترفعه.
وصفوت حجازى، الواعظ الذى هتف: «إما النصر أو الشهادة»، فقد قُبض عليه متخفياً على طريق الواحات، حليق الذقن، بشعرٍ مصبوغ، وفى زىٍّ بعيد كل البعد عن «السمت الإسلامى» الذى صدّع به رؤوس الجماهير، وعند القبض عليه، لم يقل «الله أكبر»، بل قال: «أنا لست من الإخوان وأنا معترض على طريقتهم!!».
هذه اللحظات، لم تكن مشاهد فردية لرجال هاربين، بل كانت انهياراً عضوياً فى بنية الجماعة، فالجماعة -فى بنيتها الصلبة- لم تكن تعتمد على «الفكرة» بقدر ما كانت ترتكز على «الرمز»، وحين سقط الرمز، اهتز البناء كله، القيادة فى فكر الإخوان ليست مجرد إدارة تنظيمية، بل هى تجسيد دينى - روحى لما يشبه «العصمة السياسية». ولذا، فإن سقوط هؤلاء كان أكثر من سقوط أفراد: لقد كان ارتطاماً عنيفاً بين الفكرة والواقع.
فقدت تلك الجماعة لحظة القبض على قياداتها ليس فقط عمودها الفقرى، بل فقدت القدرة على التماسك الداخلى، جرى الاضطراب فى العروق، وتمدد الشك فى الصفوف، ومن بقى فى الخارج بدأ يتصارع على ما تبقى من «الراية»، وبدأ الانقسام بين «أولوية الدم» و«أولوية التنظيم»، بين «الواقعية» و«الثأرية».
ومع ذلك فقد استطاع بعض فلول القيادات الهرب من مصر، إذ فروا قبل فض الاعتصام، وحين انسحب هؤلاء القادة وتركوا من صدّقهم فى الميادين، لم يكونوا يفرّون هرباً من الموت فحسب، بل كانوا يهرولون نحو العواصم التى أعدّت لهم الملاذ والوظيفة معاً، فقطر فتحت ذراعيها أولاً، فاستقبلت من نجا منهم، وقدّمت لهم ما يكفى للعيش والبثّ والتآمر، فكان أن أقام بعضهم فى الدوحة فى حضن شيخهم يوسف القرضاوى، ومن أقاموا فيها كانوا شيوخاً للجماعة، وجدى غنيم ومحمد عبدالمقصود وغيرهما، ومعهم ثلة من الصحفيين المنتسبين للإخوان أو الحالمين بالعمل معهم عند العودة يوم النصر المزعوم، لكنّهم لم يستقروا طويلاً، فقد شعرت قطر أن الحريق صار قريباً، فتحت ضغط الجوار، طلبت من بعضهم المغادرة، لا قطعاً للصلة، بل توسيعاً لدائرة التمويه.
أما تركيا ففتحت لهم الأبواب، وهناك، لم تكن الإقامة محض هروب، بل كانت إعادة إنتاج للجماعة بثوب المنفى، فكان أن عُقدت الاجتماعات، وتم توزيع الأدوار، وتدفقت الأموال من خزائن سياسية أكثر منها دينية، وبدأت عملية بناء كيان إعلامى موازٍ، لا ليخاطب المصريين، بل ليخاطب الغرب باسم المصريين، قنوات «الشرق» و«مكملين» و«وطن»، وغيرها، لم تكن مشاريع إعلامية، بل أدوات ناعمة لحرب طويلة، بُنيت من لحم الجماعة ودمائها وأكاذيبها القديمة.
أما الأعضاء، فقد تفرّقوا شذراً مذراً. بعضهم فر هارباً إلى قطر، وبعضهم حط رحاله فى تركيا، والشباب هرب منهم من استطاع عبر السودان أو ليبيا، وبعضهم انتحر معنوياً حين أدرك أنه كان أداة فى مسرحية كتبها وأخرجها غيره، وقام هو فيها بدور الكومبارس. ومن نجا ظل عائشاً فى دور المجاهد فانضم لميليشيات مسلحة توجهه وتخطط له قيادات تعيش فى دول الفرار، واستدار بعضهم ليعضّ الجماعة ويشتمها فى السرّ بين رفقاء الغفلة، ولكنه فى ذات الوقت يصلى لها فى العلن الإخوانى، وعلى منصات التواصل إذ به يتحوَّل إلى ذبابة إلكترونية من هذا الذباب الذى يطلقون عليه وعلى أمثاله «الكتائب الإلكترونية» ولكنه فى ذات الوقت يبيع عند الحاجة أسرار جماعته لمن يدفع أكثر، لقد تحول الولاء إلى سلعة، والنكبة إلى فرصة، فقيادات جماعته تركته يقتات بالفتات.
هنا بدأت الخيانة تُلبس وجوهاً أخرى، فبعض من كانوا يندبون فى رابعة صاروا مذيعين فى إسطنبول، يتقاضون رواتب خيالية بالدولار، ويسكنون فى شقق فاخرة، بينما تُعرض صور القتلى التى تم فبركة معظمها على الشاشة بدم بارد، كأنهم سلعة ترويجية. زوبع، ومعتز مطر، وناصر، وآخرون، تخلّوا عن الحقيقة كما تخلّى من قبلهم القادة عن الميدان.
وحين توافد المال، بدأ النزاع، فتشكّلت جبهات داخل الجماعة، كأنّها حكومات منفى تتصارع على دولة لا وجود لها، هذه جبهة محمود حسين التى تسكن إسطنبول، وتستند إلى شبكات المال والإعلام، وأخرى هى جبهة إبراهيم منير التى تتمترس فى لندن، وتطلب لنفسها الشرعية، مستعينة بتاريخ الرجل لا مستقبله، وتبادل الفريقان الاتهامات: هذا يسرق، وذاك يُفتى بالباطل، والكلّ يكتب باسم «الإخوان»، ولا أحد يمثل إلا نفسه.
ولذلك وهم فى عواصم اللجوء، لم نرهم يجتمعون على مشروع أو يتفرقون من أجل مشروع، ولكن على المال، وبدأت الخلافات، لا على الفكرة، بل على الحصص، من يأخذ الدعم القطرى؟ من يوقّع على الشيك التركى؟ من يملك مفاتيح القنوات الفضائية؟ ثم ظهرت القنوات، كأنها قلاع إعلامية فى الظاهر، لكنها فى الحقيقة غرف عمليات للشتيمة والخيانة والانشقاق، قناة تهاجم الدولة المصرية وتطلق أبواقها بالإفك، وقنوات تطلق شائعات، وقنوات تفبرك وقائع أو تسجيلات، وفى الوقت الذى كان شبابهم الهارب يعيش فى دائرة البطالة، ولا يجد قوت يومه، لدرجة أن بعضهم انتحر بعد أن أصيبوا بأمراض نفسية، ولكن فى ضفة القيادات كانت المليارات تُنفق لا لعودة «الشرعية» كما زعموا، بل لبناء جبهات داخل جبهة، وجماعة داخل جماعة، وكذب داخل كذب، وقصر لمحمود حسين على البسفور، وسيارات فارهة لأبناء القيادات، وهلم جرا.
ولذلك ما لبثت الجبهات حتى تمزّقت، فجبهة محمود حسين التى سيطرت على المال، واحتكرت مفاتيح التمويل القطرى، تحوّلت إلى طاغية جديدة داخل الجماعة، ثم خرجت جبهة إبراهيم منير برداء الورع، تزعم الإصلاح، وهى تسعى للسيطرة، كلهم يتحدث باسم «المرشد»، ولا أحد يعرف من هو القائم بأعمال المرشد، الكل يكتب باسم «الفكرة»، ولا أحد يجرؤ أن يسأل: أى فكرة؟
لقد تحولت الجماعة إلى شظايا، كل شظية تدّعى أنها الأصل. وكل فصيل يتّهم الآخر بالخيانة، بينما الواقع أن الخيانة تسكن الجميع، صاروا كمشيعين لجنازة حيوان نافق، يتعاركون على من يقود النعش، بينما الجثة تفسد تحت الشمس.
هذه ليست جماعة، بل كتاب قديم من الغدر، طُويت صفحاته، لكنهم لا يزالون يقرأونه فى الظلام، كتاب يبدأ بالسمع والطاعة، وينتهى بالهروب والغنيمة، لم يسقطوا فى ٣ يوليو، بل كانوا ساقطين من قبل، منذ لحظة قرروا فيها أن الله وسيلة، وأن الدين مشروع سلطة، وأن الدعوة مجرد جسرٍ يعبرون به إلى بنك، أو إلى قصر، أو إلى كرسى.
فما الذى بقى منهم؟ لا تنظيم، لا دعوة، لا رجولة، فقط صدى البكاء، وأصداء الفتنة، وبقايا «إخوان»، وهكذا انتهت أسطورة «الرجال الذين لا يُهزمون»، لتبدأ حكاية التنظيم الذى ظل طويلاً يزعم امتلاك مفاتيح «التمكين»، فإذا به يُضبط متلبساً وهو يحاول فتح أبواب النجاة بمفاتيح صدئة.. كانت تسوسها الأوهام.
إن الجماعة لم تُهزم بالرصاص، بل انهارت تحت ثقل زيفها. سقطت فى اللحظة التى قرّرت فيها أن تكون فوق الدولة، وفوق الناس، وفوق الله ذاته باسم الله.
وإن كان لكل نكسة شرف، فهزيمتهم بلا شرف. لا لأنهم سقطوا، بل لأنهم أرادوا أن يسقط الوطن معهم، ثم لما لم يسقط، بكوا على الأطلال كما يبكى المحتال على مسرحيته الفاشلة.
الآن فقط، وقد طُويت صفحة القادة فى الملاجئ، بات فى وسع التاريخ أن يتنفس، وبات فى وسع الحقيقة أن تُروى لا كما أرادوا لها أن تُقال.. بل كما هى.