وفجأة تهب عاصفة من الجهة الغربية، لتسقط ورقة التوت عن «العملاء» المختبئين تحت شعار «كسر الحصار»، وتضطرب «البوصلة الوطنية» فمنهم من حسبناهم نجوماً فى سماء الدفاع عن مصر وأمنها القومى، من يقال عنهم «مناضلون» بشعارات زائفة حنجورية لا تمنع رصاصة على الحدود، وجدناهم يسقطون من حساباتهم «الجنسية المصرية» والهوية الوطنية، لأن موسم الصراخ اشتغل بقدوم قافلة من تونس مليئة بأشخاص ليسوا بعيداً عن الريبة بل وكلهم يدعون للريبة بعدما تنصلوا من «الحصول على تأشيرة» لدخول مصر.
لقد تربّح هذا الفصيل السياسى كثيراً وطويلاً من الأنظمة العربية عندما تاجروا بالقضية الفلسطينية، رغم أنهم لم يسهموا بأى شكل فى دعم فلسطين، لم يُستشهد من بينهم واحد ولا قدّم مساعدات واقعية إلا «مصر الرسمية»، مصر التى دفعت أغلى شىء «وهو الدم» فى سبيل فلسطين.. «86 ألف شهيد مصرى» دفاعاً عن الأرض الفلسطينية، ودفاعاً عن الأمة العربية بأسرها، كما ورد فى حوار أجريته مع الرئيس «ياسر عرفات» وتناقلته وكالات الأنباء آنذاك نُشر بتاريخ 25/2/1990 بجريدة «الرأى العام». وحين فتشت -أثناء كتابة هذا المقال- عن أعداد الشهداء المصريين فى حرب فلسطين عام 1948، وجدتها منقوشة «بالأسماء» فى سجل الخلود على عدة مواقع فلسطينية..
مصر الرسمية هى من دعت للجلوس على طاولة المفاوضات لعمل اتفاقية سلام، فتعنت «عرفات» وقال مأثوراته: الوطن على مرمى حجر.. «شهيد شهيد».. حتى بدأت اتفاقيات أوسلو، التى أُبرمت بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، وتشمل اتفاقية أوسلو الأولى التى وُقِّعت فى واشنطن العاصمة عام 1993، واتفاقية أوسلو الثانية التى وُقِّعت فى طابا، مصر، عام 1995.. وأدت إلى اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل، واعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير كممثل شرعى للشعب الفلسطينى وشريك فى المفاوضات الثنائية. وبعد عدة سنوات من توقيعها سقط آلاف الشهداء فى اقتتال حاد بين الفصائل الفلسطينية المختلفة.
بدأ التناحر الداخلى بين الفصائل، وكالعادة رفع العرب شعار «دم الفلسطينى على الفلسطينى حرام»، وبدأت المباحثات العربية حتى فى جامعة الدول العربية تدور حول «المصالحة الوطنية» بين الفصائل بعضها البعض.
ونتيجة هذا التناحر «استقلت غزة» عن الجسد الفلسطينى، ولم نكن طرفاً فى صراع على السلطة هناك، ولا طرفاً فى صنع الوضع الراهن الذى جعل فلسطين متصارعة مع نفسها!!
ومع اندلاع الثورات العربية مطلع عام 2011 وفشل خيار المفاوضات مع إسرائيل، ارتفعت مجدداً أصوات الشباب الفلسطينى ليطالبوا بإنهاء الانقسام والعودة للوحدة الوطنية. فنظموا حملة من المظاهرات والمسيرات عام 2011 فى كل من الضفة الغربية وقطاع غزة لإنهاء الانقسام الفلسطينى.
وفى مايو 2011 وقّعت الفصائل الفلسطينية فى القاهرة على الورقة المصرية (وثيقة الوفاق الوطنى للمصالحة وإنهاء الانقسام الفلسطينى) وأُقيمَ احتفال موسع بحضور الرئيس الفلسطينى محمود عباس والأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى،
ووزير خارجية مصر آنذاك نبيل العربى.. إنها مصر الرسمية أيضاً التى لم تتخلّ يوماً عن عقيدتها الراسخة بعروبة فلسطين وسعت آلاف المرات لـ«حل الدولتين».
وفى كل الحروب الدموية أو الدبلوماسية كان محترفو الشعارات يختفون، ثم يظهرون بعد أن تتم مصر مهمتها، وهكذا كان يفعل أيضاً العديد من العرب.
وفى السابع من أكتوبر 2023 بدأت حرب الإبادة على غزة، كانت مصر أول من بادر بإدخال المساعدات عبر معبر رفع، وأول من عقد المفاوضات لوقف إسرائيل للحرب الدموية مقابل تسليم الرهائن الإسرائيليين.. ونحن على وشك إتمام عامين من استنزاف الدم الفلسطينى وهدم البنية التحتية كاملة، فلا مدارس ولا مستشفيات ولا مقر سلطة.. لا منازل ولا خيام تقيهم البرد والحر، لا شَربة ماء ولا لقمة عيش ولا ملابس تستر النساء والأطفال والعجائز.. وبعدما تحولت «غزة» إلى خراب تنعق فيه البوم يأتى من يكلمنا عن صفقة القرن «أى الوطن البديل» تحت شعار «فك الحصار»!!.
هذه القافلة لم تكن إلا «حصان طروادة» الذى يخفى الإخوان والعملاء وصناع الفوضى فى مصر قبيل الاحتفال بذكرى 30 يونيو، بل أقول إنها لو كانت «خالصة لوجه فلسطين» لنظمت نفسها وأخذت كل التصريحات اللازمة من مصر وانضم إليها عشرات الآلاف من المصريين.. لكنهم فشلوا جميعاً فى «المزايدة الوطنية على مصر».
عند مدينة «سرت» الليبية توقفت القافلة بأوامر من الإدارة الليبية، تماماً عند «الخط الأحمر» الذى وضعه الرئيس «عبدالفتاح السيسى» لعدم تخطيه، وتبعثرت أمنيات البعض بسقوط مصر فى «فخ الفوضى».. وتبددت مسيرة «الوطن البديل» قبل حدود مصر الآمنة.
لكن تجار النضال (من سياسيين وفنانين وكتاب ومؤثرين) لا يتوبون، لقد تسلموا «النوتة الجديدة» لمعزوفة من إيران ضد إسرائيل، وهو ما نعود إليه لاحقاً.