سامح فايز يكتب: حفظ الله مصر
يعيش وطنى مصر وسط أمواج متلاطمة من الحروب والفوضى امتدت آثارها إلى ما عُرف بالربيع العربى، وعلى الرغم من ذلك استطاعت الدولة بكل مؤسساتها أن تقف ثابتة بقدم راسخة تبنى وتعمر وتسعى جاهدة لمواجهة الأزمات الاقتصادية المفتعلة فى أغلبها للضغط على صناع القرار ومحاولة دفعه للسقوط فى ذلك السيرك الإقليمى الذى نعيشه؛ حالة من الجنون فقد فيها الجميع اتزانه وثوابته، لكن ظلت مصر وبقيت على عهدها برفض السقوط فى بئر الحروب ومستنقع التفتيت وانحسار سيادة الدول على أراضيها.
مخطط للفوضى نعرفه مسبقاً منذ عام 2005، وأندهش حين يفاجأ بعضهم مدعياً أن ما يحدث غير محسوب أو أنها مجرد ردود فعل وتصعيد ضد طوفان هناك أو تجاوز بعض الميليشيا فى دولة ما؛ فالمسألة محسوبة ومقدرة وتعرف وجهتها منذ اللحظة الأولى، وليس أدل على ذلك من الأخبار التى تظهر فتخبرنا أن دولة الاحتلال خططت لتأسيس شركات قبل سنوات مستخدمة إياها لاختراق ميليشيا بعينها، أو ما ظهر مؤخراً من الكشف عن عمليات جاسوسية صنعت لسنوات حتى يستعان بها فى تلك اللحظة، أو الحديث عن قواعد إطلاق صواريخ دشنتها دولة الاحتلال داخل حدود دولة معادية دون أن يكتشفها أحد. كل ذلك يحدث بدعم أمريكى غير محدود وصل إلى حد استخدام حق النقض (فيتو) لتعطيل أى تحركات لمجلس الأمن من أجل إيقاف ذلك الجنون الذى نعيشه منذ عام ونصف العام.
حالة من الجنون هو الوصف الأمثل لما يحدث، وقدرة على الثبات والتعقل لدى صانع القرار المصرى تستحق ألف تحية، يكفيها أنها أنقذت الدولة أكثر من مرة فلم نسقط فى مستنقع مدبر للحرب، ولم ننخدع لعواطف مفتعلة تسعى لجرنا إلى الفوضى. تلك الفوضى التى ينتظرها ويحلم بها مجموعة من الذئاب يتربصون بأى لحظة قد تسقط فيها قدم مصر إلى ذلك المستنقع، لدرجة التصريح بذلك قبل شهور فى بيان مصور للتنظيم الدولى للإخوان (جبهة تيار التغيير)، جاء فيه أن أمل الإخوان فى إسقاط مصر هو انتظار لحظة الفوضى التى تسمح للتنظيم من خلال عمل ثورى مسلح بالتقاط الخيط للانقلاب على الحكم الشرعى للدولة. وصل الأمر بأصحاب ذلك البيان الذى أطلقوا عليه اسم (مشروع ميدان للتغيير) أن يحددوا شكل الدولة بعد إسقاطها فى مخطط الفوضى، وأنهم سيحتفظون بالحكم لبضع سنوات يعملون خلالها على هدم مؤسسات الدولة هدماً كاملاً ومن ثمَّ إعادة بنائها مرة أخرى على هوى الإخوان.
فى تلك اللحظة التى وصلنا إليها أرى غالبية المنشغلين بهموم الوطن وهم ينظرون إلى جزء من الصورة، كل منهم ينظر إلى الجزء الذى يراه الأكثر خطورة؛ بين الوضع المشتعل على الحدود فى غزة المكلومة، أو الوضع فى الجنوب بين السودان ومصر، أو الوضع فى الغرب بين مصر وليبيا، أو الوضع فى عمق الشمال الشرقى للدولة، ذلك الجانب الذى يمثل باباً للهجمات ضد الوطن منذ دولة مصر القديمة، بيد أنه لم يتوقف وإن تغيرت الأساليب المتبعة. أجزاء مترامية الأطراف للصورة يراها بعضهم غير متصلة المشهد، لكنها فى الحقيقة صورة واحدة إن نظرنا إليها من أعلى، صورة جنونية تستهدف مصر بشكل مباشر وواضح، تستهدف الدولة الوحيدة فى المنطقة التى تملك قرارها، وتملك صلابة الوقوف أمام مخططات تقسيم ثروات الشرق الأوسط على المستعمرين الجدد.
وسط كل ذلك استطاعت الدولة أن تفوت الفرصة على جميع تلك المحاولات، غير مكتفية بذلك، بل واصلت عمليات التعمير والبناء وصنع دولة جديدة قادرة على خوض تحديات ذلك العالم الجديد، لذلك كلما نظرت إلى الصورة كاملة قلت بلا تردد: «حفظ الله مصر».