حكايات من زمن الوالي (1)
يتعدد التعامل مع الحكايات التاريخية بين من يلتقط بعضها ليصوغه فى رواية وفق شروطها، أو يضمِّنها طرفاً من الحكى المبثوث فى الحوليات القديمة، وبين من يطرحها كما هى فى صيغة مرويات قديمة، بعضها يأخذ صيغة النوادر والطرائف والملح والمواقف التى يجب الاتعاظ بها، وهناك من ينفخ فيها من أسلوبه ويُعيد بناءها على نحو جديد، وقد يمنحها بعض خياله ليردم الفجوات أو الثغرات التى قد ترد بها، أو المسكوت عنه فيها، وقد يكون دوره هو الإضافة إليها من حسن معرفته بالتاريخ، أو إيمانه بأنه قابل للاستعادة، أو نسج خيوطها من مصادر عدة.
وقد اشتهرت بعض الكتب فى العقود الأخيرة من هذا الصنف، مثلما نجد فى كتاب على أدهم «تلاقى الأكفاء»، وكتاب صلاح عيسى «حكايات من دفتر الوطن»، وكتاب أحمد أمين «رواد الإصلاح»، وكتابَى حسين أحمد أمين «ألف حكاية وحكاية من الأدب العربى القديم،» و«شخصيات عرفتها»، وكتاب جلال أمين «شخصيات لها تاريخ»، وكتاب أحمد بهاء الدين «أيام لها تاريخ»، وكتاب مصطفى أمين «شخصيات لا تُنسى»، وكتابَى محمد المنسى قنديل «لحظة تاريخ» و«عظماء فى طفولتهم»، وبرع فى هذا الصنف من الكتابة الأستاذ جمال بدوى، وأصدر فى هذا عدة كتب، ثم حكى بعضها فى برنامج تليفزيونى، وإلى هذا الكاتب الصحفى البارز والمؤرخ يُهدى الكاتب عماد الغزالى كتابه «حكايات من زمن الوالى»، ويعتبره أستاذه.
التقط الغزالى فى كتابه هذا من حوليات التاريخ ومراجعه المعتبرة وكتبه حكايات غير تقليدية، عن شخصيات كان دورها ملموساً فى صناعة تاريخ مصر السياسى والاجتماعى والاقتصادى والعسكرى أيام حكم «محمد على»، لكن المؤرخين لم يقفوا عندها طويلاً، وهضموا الكثير من حقها فى الظهور، وشخصيات أخرى أتى المؤرخون على ذكرها، وهنا يقول:
«بعض هذه الوجوه كان شهيراً، لعب أدواراً مؤثرة، وأنصفه المؤرخون، مثل: كلوت بك، ورفاعة الطهطاوى، وسليمان باشا الفرنساوى، وعمر مكرم، وبعضها حاز سطوراً على استحياء، رغم الأدوار المهمة لأصحابها على الصعيديين الاجتماعى والسياسى، ومنهم: بوغوص باشا (الروزنامجى) ومصطفى كاشف (المحتسب) وبقى طرف ثالث فى منطقة الظل، قانعاً بنصيبه من قليل الحكى، على الرغم من دلالة أدوارهم النوعية فى فهم تحولات المرحلة وانحيازاتها وتوتراتها. هؤلاء يمثلون قطاعات واسعة من الشعب وطوائفه كالحرفيين والجنود والفلاحين والتجار والغوانى».
اعتمد الغزالى فى كتابه على بعض تقنيات الكتابة القصصية فى التصوير والحوار والاسترجاع، فرأيناه يبدأ حكاياته أحياناً هذه من لحظة الذورة فى حياة شخصية ما، قد تكون من المنتصف أو المستهل، ليجذب القارئ إليها، ثم يسرد فى وعى وكفاية جانباً لا يستهان به من تاريخها، حتى لو اقتصر على موقف واحد لها.
ومما يعطى الحكايات مذاقاً قصصياً أن المؤلف تخلص أولاً من الاستسلام للصياغات التاريخية بلغتها المغايرة للغة زماننا إلى حد ما، ثم ركز ثانياً على موقف أو مهمة أو دور لبطل حكايته، مثَّل بالنسبة له نقطة مركزية دار حولها، أو خيطاً تتبَّعه فى حرص، وإن نبا عنه فإنه فى هذا وظَّف تقنية «التوالد الحكائى» المعروفة بإفراط فى قصص يوسف إدريس القصيرة، وفى كثير من الأعمال الروائية على اختلاف بنياتها وموضوعاتها.
لم يعتمد الغزالى، فى كل الأحوال، على النقل المباشر من كتب التاريخ، ولم يطرح علينا مجرد تراجم، أو طرفاً من سير غيرية، إنما استوعب كل حكاية على حدة، بعد أن قرأها وهضمها جيداً، ثم جلس إلى الورق يكتبها إثر اختمارها فى ذهنه، وتفاعله مع بطلها، بطريقة لا تخلو من حدب وتعاطف ظاهرين، وهذا أحالها إلى لون من الأدب، حتى لو كان «غير خيالى»، ما يشى به تذييل الكتاب بأربعة وثلاثين مرجعاً، على رأسها كتاب «عجائب الآثار فى التراجم والأخبار» لعبدالرحمن الجبرتى.
من هنا، يبرهن هذا الكتاب بطريقته فى السرد، أو اللغة التى اختارها الكاتب، أن الحكايات التاريخية، إن لم يطرحها كاتب كمادة خام إنما أعمل فيها قلمه، تكون لوناً من السرديات القصصية المغايرة، وإن اقتصدت فى الخيال، أو انزلقت أحياناً إلى شكل من التسجيل والتقريرية تغلب على الكتابة التاريخية البحتة.