ناصر عبدالرحمن يكتب: الشخصية المصرية (27) بين الصبر والمراوغة
نعم، إنها تملك الضدين، تراها بعين الصبر فإذا تعب الصبر تراوغ، كالنبل صابرة كصبره، تتمايل فى بطء وتراوغ فى حرفة، الصبر مفتاح الشخصية المصرية منذ مصر القديمة، ألم ترَ كيف شيَّد المصرى المعابد والعمدان؟! يبنى الهرم فى سنين، وينقش على الجدران تفاصيل الحياة والخلود، تفاصيل التوحيد، تفاصيل الجنة والميزان، يبنى فى صبر، ويُخفى خلوده عن اللصوص فى سنين، تُعلمنا إيزيس الصبر على البلاء، طال القتل أوزوريس وطال غيابه عن أرض مصر، صبر إيزيس على تحمُّل عذاب الفقد حتى جمعت أشلاء أوزوريس لينتج عن صبرها على البلاء الفرج، ليأتى الفجر بعد ليل، ويأتى المدد بعد يأس، ويتجلى النهار بنور أحمس وبعد الصبر يأتى النصر.
الصبر نهر يروى قلوب المصريين، نتوارث الصبر عبر السنين، صبر المصرى جذور فى أرضه، صبر المصرى كزقزقة الزرازير، الصبر فى الشخصية المصرية ليست فضيلة ولا ذنباً، إنه كالعطش للأرض، كالابتسامة للتعب، يصبر الموظف مع كل درجة تصعد به إلى مقام المعاش، يصبر التلميذ حتى يصبح خارج الأسوار، وتصبر الأم حتى تُزوج ابنتها، تصبر الشخصية المصرية حتى تصل إلى بحرها، تشبه أرضها، لا ترتوى بالمطر ولا ترتوى بالبئر، أرض مصر أرض بشريان نهر، صبر الشخصية المصرية فلاح، صبرها صعيدى يعبر الكرنك بكل اللغات، تصنع العيش الشمسى والجبنة القديمة وتخزن العسل والفايش والبتاو والجبن القريش والكشك والسمن والملوخية والبامية ووو فى أوضة الكرار حولاً كاملاً، سنة كاملة فى صبر مقترن بالحكمة، صبرها موظف يعيش خلف مكتب أربعين سنة بجنيهات معدودة، أشهد أنى شاهدت وعرفت وتعلمت من حمايا وهو موظف على المعاش فى وزارة الزراعة، مرتبه ضعيف جداً، لكن صبره كبير جداً، لدرجة أنه لم يستلف جنيهاً من أحد قط.
الصبر مدرس يُعلم بمقابل زهيد وهو يصر على تدريس التاريخ بالجغرافيا، لم يحضر حصة واحدة دون أن يعلق على السبورة خريطة مصر، الصبر فى الجندى الذى عبر كأسطورة وبأسطورة وانتصر على العدو فى نهار رمضان، الصبر فى وجه أم وأرملة ووجه مطلقة تربى أولادها بفخر وعزة، الصبر فى قُلة على الطريق، فى طبق فول وسط العمال، الصبر فى العامل والنجار، الصبر نبض الشخصية المصرية، تجده فى جلسة صلح تنفضّ بالصلاة على النبى، تجده فى قعدة سمر والشاى فاكهة والضحكة غزل، تجده أيام مصر القديمة فى السبع سنين العجاف، عندما أشار عليهم سيدنا يوسف بتخزين القمح، تجده فى إحصار ونقص النيل كل حقبة فبعد الصبر فيض وزيادة، تجده فى صد وكسر التتار بأجساد المصريين، تجده فى حرب الاستنزاف وقت الصبر المؤلم وبعده عبور ونصر.
الصبر فى الشخصية المصرية فطرة وطبيعة مجسّمة فى الأفعال، فى فلسفة الانتظار، فى الاستقبال، فى الصمت، فى دروس الأرض السوداء، فى دروس الرمل والجبال الصخر، تجده مجسّماً فى النيل، إنه الصبر يمشى بين الناس والبيوت، يُعلمهم الاحتمال، يعلمهم الأسرار والباقيات الصالحات، النيل صبر له شكل وله قوام وله معرفة، يوقره المصريون ويُفسحون له الطرق والفروع والترع، يغرقون فيه ويغرق فيهم، يشربونه ويشربهم، يسامحونه عندما ينقص، ويسامحهم عندما يفيض، الصبر والشخصية المصرية چين وفناء، خوف وهيبة، حزن وفرح وترياق، الصبر فى الشخصية صبر بالله، فإن اعتمدت عليه، وظن بك الوسواس، وظل بشمسك الظلام، وأمطرت الرياح غباراً، وسكرت الثمار فوقعت بغير نضوج، فاعلم أن الشخصية المصرية إذا غيَّرت مرآة ظهورها، وحلت المراوغة محل الصبر، والفيضان انطلق فوق الطرق وأغرق الطيور على الشجر، فسترى وجوهاً متعددة للشخصية المصرية، ترقص على العديد، وتغنى فى المقابر، وتزرع بغير ماء، وتشرب من الآبار، وتعبث بالمقامات، وتسخر من رزقها، وتحلب من أحلامها، وتفتح أبواب الوساوس، وتدمن البودر والشابو ومشاهدة التوك توك.. اللهم فاشهد.